تحرير: مركز الدراسات الاستراتیجية والإقلیمیة
ملاحظة: انقر هنا للحصول على ملف PDF لهذا التحليل.
___________________________________________________________________
ستقرؤون في هذه النشرة:
- الاجتماع الأخير لعلماء باكستان ودورهم في تحسين العلاقات مع أفغانستان
- دور العلماء في السياسة الخارجية الباكستانية
- دور العلماء في العلاقات بين أفغانستان وباكستان
- تقييم الاجتماع الأخير لعلماء باكستان
- الخاتمة
- التوصیات
- المصادر
___________________________________________________________________
مقدمة
يشكّل الدين والمذهب جزءًا لا يتجزأ من العلاقات بين باكستان وأفغانستان. ومن هذا المنطلق، تبرز ضرورة مناقشة طبيعة علاقة الطبقة الدينية في باكستان بأفغانستان، وكذلك دورها في تشكيل هذه العلاقات. ومع تأسيس دولة باكستان، طُرح تساؤل جوهري حول الدور الذي ينبغي أن يلعبه الإسلام في بنية الدولة الباكستانية. فقد عارضت النخب السياسية والجيل الجديد في باكستان فكرة إقامة دولة دينية، في حين رأت الطبقة الدينية والعلماء ـ الذين أدّوا دورًا محوريًا في نشأة باكستان وخاضوا في النضال ضد الإمبراطورية البريطانية ـ برؤية مفادها أن الشريعة الإسلامية وحدها يجب أن تكون أساس سيادة الدولة وحكمها. مع مرور الزمن، أخذ هذا الجدل يتصاعد إلى أن جرى اعتماد الدين في نهاية المطاف بوصفه سياسة ثابتة للدولة لتعرف هويتها بأنها دولة إسلامية. ورغم أن الدين أصبح عنصرًا مهمًا في بنية الدولة، وأن القوة المركزية للدين كانت بيد العلماء، فإن الطبقة الدينية لم تتمكن من تولي التمثيل السياسي الشعبي، ولا من تقديم تصور متكامل لنظام إسلامي للحكم، كما لم تستطع كسب ثقة الناخبين أو الإحاطة الكاملة بأساليب إدارة شؤون الحكم والدولة. وعلى الرغم من أن الطبقة الدينية في باكستان لم تتولَّ قيادة الحكومة المركزية لسنوات طويلة، فإنها مع ذلك أدّت دورًا فاعلًا في الشأن الأفغاني وتدخلت فيه، ويُعدّ إسهامها البارز في نجاح الجهاد الأفغاني ضد الاتحاد السوفييتي السابق مثالًا واضحًا على هذا الدور.
وفي يوم الاثنين الموافق 22 ديسمبر/كانون الأول 2025م، عقد علماء باكستان اجتماعًا تحت عنوان «وحدة الأمة الباكستانية»، [i] حيث جرى خلاله مجددًا بحث العلاقات بين أفغانستان وباكستان. ويهدف هذا التحليل من جهة إلى دراسة دور الدين في السياسة الخارجية الباكستانية، ومن جهة أخرى إلى تسليط الضوء على دور علماء باكستان في العلاقات الثنائية بين أفغانستان وباكستان.
دور العلماء في السياسة الخارجية الباكستانية
قبل قيام دولة باكستان، أبدى عدد من القیادات الدینیة البارزة، من أمثال مولانا مدني، ومولانا محمد ميا، ومولانا سيد فخر الدين أحمد، ومولانا عبد الحق، ومولانا أحمد علي سعيد، معارضتهم الصریحة لفكرة إنشاء دولة مستقلة للمسلمين، وأصدروا في هذا السیاق فتاوى واضحة. أما مولانا أبو الأعلى المودودي، مؤسس الجماعة الإسلامية، فرغم أنه لم يعارض من حيث المبدأ قيام دولة مستقلة باسم باكستان للمسلمين، لکنه عارض (مسلم ليغ) ونظرية القومية للمسلمین. وقد انطلق موقفه إلى قناعة مفادها أن أي حكومة قومية تُقام على أساس العلمانية أو القومية الإسلامية لن تختلف في جوهرها كثيرًا عن نظام الحكم الاستعماري في الهند. وبحسب رؤیته، فإن القومية مفهوم وافد أدخله الاستعمار بغرض تفتيت وحدة العالم الإسلامي. [ii]
وعلى الرغم من هذه المعارضة، نجحت الرابطة الإسلامیة (مسلم لیغ) من استقطاب دعم عدد من القادة الدينيين البارزين في جمعية علماء الإسلام، إضافة إلى مولانا أكرم خان، وبير مانكي شريف، ومولانا شبير أحمد عثماني، الذين قاموا بحملات دعائية واسعة لصالح قضية مسلم لیغ. وفي السادس والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول 1945، اجتمع خمسمائة عالم دين ـ كان من بينهم عدد من الشیوخ و الأقطاب الصوفیین ـ وأقرّوا قرارًا يدعم المطالبة بإقامة كيان مستقل للمسلمين، وهو ما أسفر لاحقًا عن قيام دولة باكستان.
وانطلاقًا من هذا الدور الذي اضطلع به العلماء في تأسيس باكستان، يمكن القول إنهم كانوا قادرين على أداء دور فاعل في السياسة الخارجية الباكستانية أيضًا، وقد تجلّى هذا الدور في بعض المحطات بشكل واضح. فعلى سبيل المثال، في التاسع والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني 1962، وخلال إلقائه خطابًا حول السياسة الخارجية في الجمعية الوطنية، عارض مولانا مفتي محمود، زعيم جمعية علماء الإسلام(JUI)، التحالفات العسكرية التي كانت ترعاها الدول الغربية ومشاركة باكستان فيها، مؤكدًا ضرورة تبنّي سياسة خارجية مستقلة. [iii]
بعد تأسيس دولة باكستان، جرى إبراز العامل الأيديولوجي بوصفه عنصرًا مهمًا في مختلف أبعاد السياسة الخارجية للبلاد، كما أُنيط به دورٌ أساسي في توجيهها. فمنذ بداياتها، سعت باكستان بجدية إلى ترسيخ علاقات خاصة ومتميزة مع العالم الإسلامي، انطلاقًا من ادعائها أنها الدولة المعاصرة الوحيدة التي أُسست صراحة باسم الإسلام، الأمر الذي يستوجب ـ بحسب هذا التصور ـ إقامة روابط وثيقة مع الدول والمجتمعات الإسلامية.
غير أن الدولة انتهجت في الواقع مقاربة براغماتية، إذ اتجهت لتلبية احتياجاتها الدفاعية ومواجهة التحديات التي فرضتها بيئتها الأمنية نحو الغرب والدول الشيوعية على حدٍّ سواء، وهو ما كان يتعارض مع رؤية العلماء. فقد كانت الحكومة ترى ضرورة الفصل بين السياسة الخارجية والدين، وعدم إخضاع الأولى للاعتبارات الدينية. [iv]
ومع مرور الوقت، تراجع دور العلماء في صياغة السياسة الخارجية، في المقابل تعزّز نفوذ الدولة والمؤسسة العسكرية. إلا أن الحكومة والجيش كانا بحاجة إلى الطبقة الدينية لاكتساب الشرعية، فعملا على إخضاعها لسياسة الاحتواء والسيطرة. ومنذ ذلك الحين، لم تعد الطبقة الدينية طرفًا حاكمًا، بل تحولت إلى أداة في خدمة السلطة السياسية.
وعندما قامت الدولة بتعزيز علاقاتها مع الغرب، لجأت إلى العلماء لاستصدار فتاوى تهدف إلى تعديل الرأي العام ومنع تصاعد المعارضة الشعبية للحكومة، حيث أعلن هؤلاء العلماء أن طلب الدعم العسكري والاقتصادي من الدول الغربية من أجل تقوية الدولة الإسلامية يُعدّ أمرًا ضروريًا، ولا يتعارض مع الأحكام الدينية. كما استخدمت الدولة هؤلاء العلماء في قضيتي كشمير وفلسطين، ووظّفتهم كأدوات في الحرب الأيديولوجية ضد الهند.
وخلاصة القول، لم يكن لعلماء باكستان سلطة حقيقية أو قدرة فعلية على التحكم في السياسة الخارجية للبلاد أو توجيهها وتنظيمها.
دور العلماء في العلاقات بين أفغانستان وباكستان
بعد تأسيس دولة باكستان، نشأت علاقات بين علماء هذا البلد وعلماء أفغانستان، وشهدت هذه العلاقات أشكالًا متعددة من التعاون في مجالات مختلفة. وقد بدأ هذا التعاون في ميدان التعليم الديني، ثم توسّع لاحقًا ليشمل الجهاد العملي ضد الاتحاد السوفييتي. وفي باكستان، تُعدّ كلٌّ من جمعية علماء الإسلام والجماعة الإسلامية من أبرز التيارات التي كانت لها، تاريخيًا، علاقات وثيقة مع الطبقة الدينية في أفغانستان.
وقد تأثر كلٌّ من الأستاذ برهان الدين رباني والمهندس قلب الدين حكمتيار بالأفكار التي تبنّتها الجماعة الإسلامية، ومن خلال هذا المسار أقاما علاقات مع الدولة الباكستانية. وأدّى الغزو السوفييتي لأفغانستان إلى تداعيات واسعة، تمثّلت في هجرة أعداد كبيرة من الأفغان إلى باكستان، حيث التحقوا بالمؤسسات التعليمية، ولا سيما المدارس الدينية، وتشكّلت لديهم أنماط فكرية جديدة في تلك البيئة.
وکان يُعدّ مولانا فضل الرحمن من أبرز الداعمين للإمارة الإسلامية، إذ کان یقدّم لها الدعم على المستويات الدبلوماسية والمالية والاستراتيجية والعملياتية. وقد قام بزيارات إلى واشنطن والمملكة العربية السعودية ودول الخليج، وتمكّن من خلالها من الحصول على مساعدات مالية كبيرة. وفي داخل باكستان، تحوّلت المدارس الدينية ـ ولا سيما المدارس التابعة لمولانا فضل الرحمن ـ إلى مراكز رئيسية لجمع التبرعات من مختلف فئات المجتمع ومن بعض المؤسسات الحكومية دعمًا للإمارة الإسلامية.
وإلى جانب مولانا فضل الرحمن، كان مولانا سميع الحق أيضًا يتمتع بعلاقات وثيقة مع حركة طالبان، وكانت مدرسته، دار العلوم الحقانية، تُعدّ مركزًا مهمًا لتعليم وتخريج قادة الإمارة الإسلامية. ولهذا السبب، ومع سيطرة الإمارة الإسلامية على أفغانستان عام 1996م، ازدادت أهمية مولانا فضل الرحمن في المشهد السياسي الباكستاني؛ إذ جرى تعيينه رئيسًا للجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الباكستاني، في خطوة عكست رغبة الدولة في الاستفادة من دوره في تنظيم وإدارة العلاقات مع أفغانستان.
وفي هذا السياق، أقام فضل الرحمن علاقات وثيقة مع جهاز الاستخبارات الباكستانية (ISI)والجيش والجنرال نصير الله بابر، الذي كان المستشار الرئيسي للشؤون الأفغانية لدى ذوالفقار علي بوتو ثم لدى بينظير بوتو. ويُظهر ذلك بوضوح أن باكستان كانت تستخدم مولانا فضل الرحمن أداةً لتعزيز علاقاتها مع الإمارة الإسلامية أو لتنظيم سياستها الخارجية تجاهها. [v]
خلال الفترة السابقة من حكم الإمارة الإسلامية، قام مولانا فضل الرحمن عدة مرات بزيارة كابول على رأس وفود من العلماء، حيث التقى بقيادات الإمارة الإسلامية؛ وهو ما يدل على وجود علاقات مباشرة بينهم وبين حركة طالبان، الأمر الذي جعلهم أحد المصادر الأساسية لنقل روايات “نجاحات” حكومة الإمارة الإسلامية إلى العالم.
وقد تلقّى معظم قادة ومجاهدي الإمارة الإسلامية تعليمهم في مدارس دينية تقع في إقليمي خيبر بختونخوا وبلوشستان، وفي مناطق قبلية أخرى، وكانت غالبية هذه المدارس تابعة لجمعية علماء الإسلام بقيادة مولانا فضل الرحمن. [vi]
وبوجه عام، تُظهر المعطيات التاريخية أن علاقات علماء باكستان مع أفغانستان ـ سواء في مرحلة المجاهدين أو في المرحلتين الأولى والثانية من حكم الإمارة الإسلامية ـ كانت علاقات وثيقة، وكان لهم دور في تشكيل وتنظيم العلاقات بين البلدين. غير أنه خلال فترة الحكم الشيوعي، وكذلك خلال فترة الجمهورية السابقة، حين تراجع دور العلماء داخل بنية الحكم، لم يكن لعلماء باكستان أيضًا دور يُذكر في تنظيم العلاقات بين البلدين.
تقييم الاجتماع الأخير لعلماء باكستان
يوم الاثنين الموافق 22 ديسمبر/كانون الأول 2025م، عقد علماء باكستان اجتماعًا تحت عنوان «وحدة الأمة الباكستانية» في مدينة كراتشي، وترأسه مولانا فضل الرحمن. وكان أحد العوامل الرئيسية لعقد هذا الاجتماع هو الضغوط الشعبية؛ إذ يواجه الشعب الباكستاني عمومًا، وسكان المناطق القبلية على وجه الخصوص، ضغوطًا ومشكلات اقتصادية حادة نتيجة إغلاق المعابر الحدودية. وقد عبّر المواطنون عن احتجاجهم إزاء هذه الأوضاع، ومن أجل تخفيف هذه الضغوط وتهدئة الرأي العام، بادر العلماء إلى عقد هذا الاجتماع.
ومع ذلك، كان من الممكن أن تكون قيمة هذا الاجتماع أكبر لو اتخذ طابعًا عمليًا وتنفيذيًا، غير أنه خلا من أي بعد تنفيذي، واقتصر على تقديم مقترحات تدعو إلى تحسين العلاقات وإعادة فتح المعابر.
وقد اعتبر العلماء المشاركون في الاجتماع أن التوتر القائم بين البلدين الجارين أمر مقلق، وطالبوا بحل الخلافات عبر الحوار. وجاء في البيان الصادر عن الاجتماع أن التجارب التاريخية تُظهر أن مشكلات الشعوب والدول تُحل من خلال الحوارات الثنائية، وأنه في الظروف الراهنة لا يوجد بديل مقبول ومستدام سوى الحوار المباشر. كما شدد العلماء على أن استمرار التوترات سيُلحق الضرر بشعبي البلدين على حد سواء.
كما دعا البيان السلطات الباكستانية والأفغانية إلى البحث عن حلول إيجابية وعملية لمعالجة جميع التحديات، بما يفضي إلى إعادة العلاقات الطبيعية بين الدولتين الجارتين، وفتح المعابر أمام المواطنين، واستئناف حركة السفر والتجارة بين البلدين. [vii] ويمكن تقييم هذا الاجتماع من عدة جوانب:
أولًا: أدّى إغلاق المعابر إلى زيادة الضغوط على الحكومة الباكستانية، لا سيما في ظل الأزمة الاقتصادية الحادة التي تمر بها البلاد. وفي هذه الظروف، تسبّب إغلاق المعابر ثلاثة أضرار كبرى لباكستان:
- تكبّد خسائر اقتصادية تُقدّر بملايين الدولارات خلال شهرين فقط.
- إغلاق طريق الوصول إلى آسيا الوسطى.
- فتح السوق الأفغانية أمام السلع الإيرانية ومنتجات دول آسيا الوسطى.
وإذا استمر هذا الوضع، فإن باكستان ستفقد السوق الأفغانية بشكل دائم، وهو ما يُعد خسارة استراتيجية طويلة الأمد. ومن خلال هذا الاجتماع، قامت باكستان بمحاولة سياسية ودبلوماسية للضغط على الإمارة الإسلامية ودفعها إلى الحوار وإعادة فتح المعابر، مع إضفاء طابع ديني على هذا المسعى السياسي.
ثانيًا: تسعى الحكومة الباكستانية إلى مخاطبة الإمارة الإسلامية بلغة العلماء. وكما أُشير سابقًا، فإن معظم قادة ومجاهدي الإمارة الإسلامية كانت لهم علاقات وثيقة مع علماء باكستان، وقد جرى تاريخيًا ـ سواء في الفترة السابقة للإمارة الإسلامية أو في المرحلة الراهنة ـ استخدام «ورقة العلماء». ومن ثمّ، يكشف هذا الاجتماع أن الطبقة الدينية لا تزال تؤدي دورًا مؤثرًا في العلاقات بين أفغانستان وباكستان. ويقف مولانا فضل الرحمن في صدارة هذه الجهود، وقد ترأس الاجتماع بنفسه، وهو ما يوضح أن باكستان، كما في الفترة السابقة لحكم الإمارة الإسلامية، تسعى اليوم أيضًا إلى الاستفادة من دور مولانا فضل الرحمن في تنظيم علاقاتها مع الإمارة الإسلامية.
ثالثًا: لم يُعقد هذا الاجتماع بصورة مستقلة من قِبل علماء باكستان. ففي العادة، تُنظَّم الاجتماعات الكبرى للعلماء في باكستان ـ ولا سيما الاجتماعات ذات الطابع السياسي ـ في ظل المصالح الاستراتيجية للدولة والأجهزة الاستخباراتية والمؤسسة العسكرية. ومن جهة أخرى، لم تُسفر المفاوضات التي أجرتها حكومة الإمارة الإسلامية مع الحكومة الباكستانية والجيش في قطر وتركيا والمملكة العربية السعودية وغيرها عن نتائج ملموسة. ولذلك، فإن غياب استقلالية العلماء يؤدي إلى استمرار المشكلات، وانتهاء مثل هذه الاجتماعات دون تحقيق نتائج عملية.
رابعًا: اقتصر هذا الاجتماع على إصدار بيان وإجراء مشاورات داخلية، كما ورد في نص البيان، حيث لم يتجاوز طرح الدعوة إلى استئناف المفاوضات وتحسين العلاقات. ولو شارك في هذا الاجتماع قادة رفيع المستوى من الإمارة الإسلامية، أو علماء من كلا البلدين، وتمت مناقشة العلاقات بشكل مباشر، لكان من الممكن التوصل إلى نتائج ملموسة. غير أن الاجتماع كان أحادي الجانب، ولم يكن محوره الأساسي إعادة بناء العلاقات بين البلدين بصورة عملية؛ ولذلك يمكن القول إن هذا الاجتماع لم يؤدِّ دورًا بنّاءً في تحسين العلاقات بين أفغانستان وباكستان.
الخاتمة
تأسست باكستان باسم الإسلام، وكان للعلماء دورٌ ملحوظ في هذا المسار. ومع أنه بعد قيام باكستان أصبح الدين مرجعية أساسية للحكم، وتشكلت الدولة بوصفها دولة إسلامية أو دولة للمسلمين، وكان من الطبيعي أن يُتوقَّع أن تكون السلطة إلى حدٍّ كبير بيد العلماء لامتلاكهم المعرفة الدينية العميقة ـ وهو ما كان قائمًا بالفعل في البدايات ـ إلا أن دور العلماء في الشؤون الحكومية تراجع مع مرور الوقت، في حين تعزّز نفوذ الحكومات المدنية والمؤسسة العسكرية.
وفي الظروف الراهنة، لا يستخدم الجيش والحكومة المدنية العلماء إلا وسيلةً لاكتساب الشرعية والمرجعية الدينية، ولا يسمحان لهم بالتدخل في بقية القضايا. وبعبارة أخرى، تُستَغلّ الطبقة الدينية لتحقيق مصالح السلطة، ثم يجري تهميشها وإقصاؤها.
وإذا ما قُيّم الاجتماع الأخير لعلماء باكستان بشأن أفغانستان وفق هذا المنظور، يمكن القول إن هذا الاجتماع كان عديم الجدوى، ولن يكون له تأثير فعلي في تحسين العلاقات بين البلدين؛ إذ ما لم تُفضِ المفاوضات بين الجيش والحكومات المدنية إلى نتائج ملموسة، فإن دعوات العلماء إلى المصالحة والتفاهم، مهما بدت إيجابية، ستظل بلا أثر. فطالما لم تُحلّ المشكلات على مستوى الدول والمؤسسات الحاكمة، فلن يكون لمثل هذه الاجتماعات دور فعّال أو بنّاء.
التوصیات
- تتمتع الطبقة الدينية في كلٍّ من أفغانستان وباكستان بجذور شعبية واسعة، ولا يزال عدد كبير من عامة الناس اليوم يُديرون شؤونهم المختلفة بالتشاور مع هذه الطبقة الدينية. ومن ثمّ، يُنتظر من علماء الدين في البلدين أن يعملوا على منع نشوء مشاعر الكراهية والعداء بين الشعبین، لأن مثل هذه المشاعر لا تصبّ بأي حال من الأحوال في مصلحة أيٍّ من البلدين.
- يُقترح على علماء باكستان أن يطالبوا، في الاجتماعات القادمة، بوقف الهجمات المباشرة التي يشنّها الجيش الباكستاني على الأراضي الأفغانية؛ إذ يُعدّ هذا الأمر أحد الأسباب الرئيسية لتدهور العلاقات بين البلدين.
- إن الترحيل القسري للمهاجرين الأفغان في هذا الشتاء القارس يُعدّ إجراءً يتعارض مع جميع المبادئ الإنسانية والقانونية الدولية. ويمكن لعلماء الدين ممارسة الضغط على الحكومة لمنع مثل هذه الإجراءات القسرية؛ لذلک، يُقترح على علماء باكستان أن يضطلعوا بدورهم في هذا الملف الإنساني أيضًا.
- يُقترح على الإمارة الإسلامية الاستفادة من دور العلماء في تحسين العلاقات مع باكستان؛ إذ إن علماء البلدين تجمعهم علاقات وثيقة ويعرف بعضهم بعضًا جيدًا، في حين أن الحوارات المباشرة على مستوى الحكومات لم تُسفر حتى الآن عن نتائج ملموسة.
المصادر
[i] أحمد شاه عرفانيار. «رجال الدين الباكستانيون يدعون إلى حلّ التوترات بين أفغانستان وباكستان»، وكالة أنباء باجوك الأفغانية (Pajhwok Afghan News)، 23 ديسمبر 2025، رابط الوصول:
[ii] موتن، عبد الرشيد. (2003). من ثورة إلى ثورة. كراتشي: شركة الكتاب الملكي (Royal Book Company)، ص. 23.
[iii] بيرزادا، سيد أ. (2000). سياسات جمعية علماء الإسلام في باكستان: 1971–1977. نيويورك: مطبعة جامعة أكسفورد، ص. 210.
[iv] عالم، منصور. (2002). السياسة الخارجية والدين. Pakistan Horizon، المجلد 55، العدد (3)، ص ص. 11–16، الصفحات 1–18.
[v] قمر فاطمة. (2018). «النخبة الدينية في باكستان وأفغانستان: الجذور والخلفيات»، مجلة الدراسات السياسية، عدد خاص، 2018، 39:58، ص. 1–20، رابط الوصول:
[vi] زهّاب، مريم أبو، وروي، أوليفييه. (2002). الشبكات الإسلامية: الصلة الأفغانية–الباكستانية. لندن: دار هرست وشركاه (Hurst & Company)، ص. 20.
[vii] أحمد شاه عرفانيار. «رجال الدين الباكستانيون يدعون إلى حلّ التوترات بين أفغانستان وباكستان»، وكالة أنباء باجوك الأفغانية (Pajhwok Afghan News)، 23 ديسمبر 2025. رابط الوصول:
