الإحتجاجات في إيران: الجذور، العوامل، والسيناريوهات

تحرير: مركز الدراسات الاستراتیجية والإقلیمیة

ملاحظة: انقر هنا للحصول على ملف PDF لهذا التحليل.
___________________________________________________________________

ستقرؤون في هذه النشرة:

  1. الإحتجاجات في إيران: الجذور، العوامل، والسيناريوهات
  2. المنطلق الأولي وتحوّل سقف المطالب
  3. أسباب اتساع رقعة الاحتجاجات
  4. عوامل انتشار الاحتجاجات
  5. ردّ فعل الدولة وقدرتها على احتواء الاحتجاجات
  6. السيناريوهات المحتملة
  7. الخاتمة
  8. التوصيات
  9. المراجع

___________________________________________________________________

مقدمة

فی تاریخ الثامن والعشرين من ديسمبر/كانون الأول عام 2025 ميلادي، شهدت إيران مجددًا تشكّل موجة جديدة من الاحتجاجات الشعبية، كان شرارتها الأولى إضرابًا في سوق علاء الدين وسوق «چارسو» في طهران. وقد أقدم المحتجون على إغلاق المتاجر والتجمع في الشوارع المحيطة، ولا سيما شارع «الجمهورية»، مطالبين باستقرار الأسعار ومعالجة الأوضاع المعيشية. [i] وجاء هذا الإضراب ردًا مباشرًا على الارتفاع الحاد في سعر الدولار والتراجع غير المسبوق في قيمة العملة الوطنية، ليتجاوز في فترة وجيزة إطار الاحتجاج الاقتصادي المحدود ويتحوّل إلى تظاهرات واسعة في مناطق مختلفة من العاصمة، قبل أن تمتد سريعًا إلى مدن ومحافظات أخرى في البلاد.

ورغم أن إيران شهدت خلال السنوات الأخيرة موجات متكررة من الاحتجاجات الواسعة، فإن المؤشرات الأولية لهذه الموجة الجديدة توحي بوجود اختلافات جوهرية مقارنةً بسابقاتها، سواء من حيث منطلقها، أو طبيعة مطالبها، أو تركيبة المشاركين فيها، أو العوامل المؤثرة في اندلاعها وانتشارها. ومن هنا، يطرح هذا المقال تساؤله المركزي: ما طبيعة الاحتجاجات الأخيرة في إيران؟ وما القوى والعوامل التي أسهمت في تشكّلها واتساعها؟ وما المسارات المحتملة التي قد ترسمها هذه التطورات لمستقبل إيران السياسي والاجتماعي؟ ويسعى المقال، من خلال تحليل طبيعة الاحتجاجات ومطالب المحتجين وتوازن القوى المتداخلة، إلى استشراف السيناريوهات الممكنة ورسم ملامح المرحلة المقبلة.

المنطلق الأولي وتحوّل سقف المطالب

كما أُشير في المقدمة، انطلقت شرارة هذه الاحتجاجات من إضراب الأسواق في طهران اعتراضًا على ارتفاع سعر الدولار مقابل العملة الوطنية، قبل أن يتحول الإضراب سريعًا إلى تظاهرات عمّت أرجاء العاصمة. ورغم أن الشعارات الأولى ركزت على مطالب مهنية واقتصادية، كضبط تقلبات سعر الصرف، فإنها سرعان ما اتخذت طابعًا أوسع، لتتحول إلى نقد مباشر لسوء الإدارة الاقتصادية الحكومية. وفي اليوم التالي، الموافق التاسع والعشرين من ديسمبر/كانون الأول عام 2025 ميلادي، اتسعت رقعة الاحتجاجات لتشمل مدنًا أخرى، وبدأت الشعارات تكتسب طابعًا سياسيًا واضحًا، ما دفع الشرطة إلى التدخل. [ii]  ومع انضمام الطلبة إلى صفوف المحتجين، أصبحت المطالب سياسية بالكامل، وارتفعت شعارات داعمة لأسرة بهلوي. وخلال الأيام اللاحقة، امتدت التظاهرات إلى معظم المدن والمحافظات، مع ترديد شعارات صريحة من قبيل: «الموت للديكتاتور»، «جاويد شاه»، «هذا العام عام الدم… سيد علي سيسقط»، و«هذه المعركة الأخيرة… عودة بهلوي».[iii] وهكذا تحوّل احتجاج اقتصادي قاده تجار الأسواق إلى حركة واسعة ذات مطالب سياسية كبرى.

ولمواجهة هذه الاحتجاجات، لجأت الحكومة إلى استخدام وسائل متعددة، من بينها الغاز المسيل للدموع، بل وإطلاق الرصاص في بعض الحالات ضد من وصفتهم بـ«المشاغبين». كما أُغلقت المدارس والجامعات في عدد من المدن، بينها طهران، وقُطع الإنترنت وخطوط الهاتف بشكل كامل في عموم البلاد في ۹ ینایر / كانون الثاني ۲۰۲۶ ميلادي، إلى حدّ باتت معه المواقع الإيرانية ـ باستثناء موقعين حكوميين تقريبًا ـ غير متاحة حتى من خارج البلاد. [iv] ورغم أن هذا الانقطاع الشامل حدّ كثيرًا من القدرة على رصد مجريات الأحداث، فإن تقارير متفرقة تشير إلى أوضاع شديدة الاضطراب والعنف وسقوط عدد من الضحايا.

أسباب اتساع رقعة الاحتجاجات

ظاهريًا، تعود جذور الاحتجاجات إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية، وهو تدهور يعزوه المحتجون إلى سوء الإدارة، فيما تنسبه الحكومة إلى العقوبات الخارجية. غير أن المؤكد هو أن الأوضاع المعيشية للمواطنين تشهد تدهورًا متواصلًا. صحيح أن الأزمة الاقتصادية شكّلت الشرارة الأولى، لكن المطالب السياسية كانت العامل الحاسم في استمرار الاحتجاجات واتساعها.

وقد شكّل ارتفاع سعر الدولار عامل ضغط مركزيًا على مختلف فئات المجتمع، ما أدى إلى انتقال الاحتجاجات من الأسواق إلى طبقات اجتماعية أخرى. وما يدفع هذه الموجة نحو «نقطة اللاعودة» هو اقتناع شريحة واسعة من الإيرانيين بأن الأزمة الاقتصادية الحالية غير قابلة للإصلاح في ظل آليات وأساليب الإدارة القائمة. لذلك، تجاوزت المطالب الإطار الاقتصادي لتستهدف مباشرة البنية السياسية، وعلى رأسها قيادة الجمهورية الإسلامية، وهو ما يتجلى بوضوح في الشعارات المرفوعة. وبذلك، تبدو هذه الاحتجاجات من حيث الاتساع والعمق أوسع من سابقاتها، وتعكس معاناة مشتركة لدى مختلف الفئات والطبقات الاجتماعية.

عوامل انتشار الاحتجاجات

إن تحوّل مطلب اقتصادي إلى مطلب سياسي شامل يعكس خطورة هذه الموجة الاحتجاجية. ومع ذلك، وبالنظر إلى الواقع الداخلي الإيراني وقدرات الدولة على الضبط والسيطرة، فإن الانتشار السريع والواسع للاحتجاجات واستمرارها على هذا النحو لا يمكن تفسيره دون وجود تخطيط مناهض للنظام ودعم من أطراف خارجية.

وعلى الرغم من عدم وجود قوة داخلية معلنة قادرة على تنظيم وتوجيه الاحتجاجات، فإن جماعات معارضة للنظام تنشط بقوة على المستويين الإعلامي والتنظيمي عبر شبكات سرية داخل البلاد. وفي هذا السياق، برز نشاط ولي العهد السابق رضا بهلوي في تشجيع المحتجين، حيث حقق النداء الذي أطلقه عبر «إنستغرام» لمواصلة الاحتجاجات نحو ثمانين مليون مشاهدة. [v]

أما على الصعيد الخارجي، فتُعدّ الولايات المتحدة وإسرائيل من أبرز الأطراف التي يُحتمل تورطها في تأجيج هذه الاحتجاجات وتوجيه مسارها. وقد صرّح وزير الخارجية الإيراني بأن واشنطن وتل أبيب تقفان خلف «أعمال الشغب» وتدعمانها. ورغم اتهام إسرائيل بوصفها الطرف الأكثر ترجيحًا، فإن مسؤولين إسرائيليين نفوا رسميًا أي تدخل مباشر، مكتفين بالإعلان عن استعدادهم للرد في حال تعرض إيران لهجوم. [vi]

في المقابل، كان موقف الولايات المتحدة أكثر صراحة، إذ كتب الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعد ستة أيام من اندلاع الاحتجاجات، محذرًا السلطات الإيرانية من إطلاق النار على المحتجين السلميين، ومتوعدًا بالتدخل. [vii] وعلى الرغم من تذبذب مواقفه وتصريحاته خلال الأسابيع اللاحقة، فقد عاد ليؤكد دعمه للمحتجين، داعيًا إياهم إلى مواصلة التظاهر والاستيلاء على المؤسسات الحكومية، ومعلنًا تعليق أي مفاوضات مع طهران إلى حين توقف ما وصفه بـ«القتل العبثي». وتعكس هذه التصريحات منح واشنطن لنفسها حق التدخل، فضلًا عن دورها في رفع معنويات المحتجين وتشجيعهم على الاستمرار.

وإلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل، عبّرت دول غربية عدة عن دعمها للمحتجين، حتى أن بعضها سمح بإنزال العلم الإيراني من مقار دبلوماسية. [viii] كما حظر رئيس البرلمان الأوروبي دخول ممثلي إيران إلى البرلمان دعمًا للاحتجاجات. ورغم أن هذه الخطوات لا تُعد تدخلًا مباشرًا، فإنها تسهم في رفع معنويات المحتجين وتوضيح خريطة الاصطفاف الدولي.

ردّ فعل الدولة وقدرتها على احتواء الاحتجاجات

نظرًا لأن هذه الموجة من التظاهرات جاءت احتجاجًا على الأوضاع الاقتصادية المتردية، فقد قدّم النظام الإيراني في تعامله معها قراءتين مختلفتين. فمن جهة، أقرّ مسؤولو الجمهورية الإسلامية، بمن فيهم المرشد الأعلى، بحقّ المتظاهرين في الاحتجاج على سوء الأوضاع الاقتصادية، ووعدوا بالحوار مع المحتجين والنظر في مطالبهم. ومن جهة أخرى، لوّحوا بقمع العناصر التي وصفوها بالمُخلّة بالأمن ومثيري الشغب. فعلى سبيل المثال، قال المرشد الإيراني في خطاب له حول هذه الاحتجاجات:

الاحتجاج في محلّه، لكن الاحتجاج يختلف عن الشغب. نحن نتحدث مع المحتجين، وعلى المسؤولين أن يتحدثوا مع المحتجين، أما الشغب فلا جدوى من الحوار معه، ويجب وضع مثير الشغب في مكانه. [ix]

ومن خلال هذا التقسيم، يسعى النظام الإيراني من جهة إلى إظهار نفسه أمام المجتمع الدولي بوصفه نظامًا ديمقراطيًا يعترف بحقّ الاحتجاج الشعبي، لكنه من جهة أخرى يمنح نفسه الشرعية الكاملة للقضاء على ما يصفه بالعناصر المشاغبة والمُحرِّضة على الفتنة. غير أن الإشكالية الأساسية تكمن في غياب أي معيار أو مؤشر واضح يميّز بين المحتجّ صاحب الحق ومثير الشغب الفتنوي، الأمر الذي قد يؤدي عمليًا إلى قمع الجميع بدلًا من استهداف العناصر المزعومة فقط.

أما من حيث قدرة الدولة الإيرانية على الاحتواء والسيطرة، فلها سجلّ سابق يُظهر نجاحها في إخماد التظاهرات والاحتجاجات، كما حدث في تجارب سابقة. فإلى جانب قوات الأمن التي توضع في الصفوف الأمامية لقمع التظاهرات، تمتلك الدولة قوى أخرى تعمل بشكل غير مباشر على تفكيك الشبكات والعناصر التي تقف خلف الاحتجاجات. وتشمل هذه القوى الأجهزة الاستخباراتية، وعلى رأسها  وبقوة أكبر الحرس الثوري الإيراني.

ويُعدّ الحرس الثوري القوة الأبرز، إذ يمتلك إمكانات هائلة من حيث العتاد والموارد البشرية، ويتدخل عندما تعجز قوات الأمن النظامية عن السيطرة على الأوضاع. وتُعرف بعض هذه العناصر باسم «الملابس المدنية»، حيث تستهدف قادة المتظاهرين مباشرة، مستندة إلى صلاحيات واسعة ممنوحة لها من أعلى هرم القيادة، ما يتيح لها حرية التحرك واتخاذ أي إجراء تراه مناسبًا.

ولهذا السبب، تسعى بعض الدول الغربية خلال هذه الموجة من الاحتجاجات إلى إدراج الحرس الثوري الإيراني على قائمة التنظيمات الإرهابية. كما تشير تقارير إلى أن النظام الإيراني استقدم قوات مسلحة عراقية موالية له إلى داخل إيران لتعزيز الأمن.

ومع ذلك، فإن ما يضع الحكومة الإيرانية أمام مفترق طرق بين التهدئة والتصعيد هو التحذيرات المتكررة التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب. فمسألة ما إذا كان ترامب سيتجه إلى عمل عسكري دعمًا للمتظاهرين أم لا، تبقى موضع نقاش، غير أن تحذيراته المتواصلة قد تدفع النظام الإيراني إلى توخي الحذر في استخدام القوة المفرطة ضد المحتجين.

السيناريوهات المحتملة

بالنظر إلى متغيرات مثل عمق الأزمة القائمة، وارتفاع سقف المطالب السياسية، وقدرة الدولة على القمع، ومستوى التدخل والضغط الخارجي، يمكن طرح ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

سيناريو تغيير النظام: استنادًا إلى عمق الأزمة، وارتفاع المطالب السياسية، والتدخل والضغط الخارجي، يمكن تصوّر سيناريو إسقاط النظام الإيراني القائم. ويتوقف تحقق هذا السيناريو على عدة عوامل أساسية، من بينها:

  • استمرار التظاهرات بشكل شبكي واسع وشامل؛
  • السيطرة على المؤسسات والمقار الحكومية (وهو ما شدّد عليه ولي العهد السابق، وأكّد عليه ترامب مؤخرًا)؛
  • انخراط جميع فئات المجتمع، ولا سيما موظفي أجهزة الدولة، في صفوف المحتجين؛
  • التدخل الخارجي عبر تشجيع الاحتجاجات وتقييد قدرة الجمهورية الإسلامية على المناورة دوليًا، مثل السيطرة على سفاراتها في الخارج؛
  • فرض عقوبات أشدّ قسوة (كما هدد ترامب بفرض تعرفة جمركية إضافية بنسبة 25% على أي دولة تتعامل تجاريًا مع إيران)؛
  • وأخيرًا، التدخل العسكري متعدد الأهداف، كتنفيذ عمليات ضد مراكز صنع القرار، أو دفع مؤسسات القمع، وعلى رأسها الحرس الثوري، إلى التفكك، أو شنّ ضربات جوية واسعة على هذه المراكز.

ويُسرّع من تحقق هذا السيناريو تزامن جميع العوامل المذكورة بشكل منسّق، بما يؤدي إلى تضييق الخناق داخليًا على النظام، إلى جانب توجيه ضربات خارجية واسعة وقاصمة تسلب الدولة قدرتها على المواجهة.

أما ما يقلل من احتمالية تحقق هذا السيناريو فهو غياب التدخل الخارجي. فعلى الرغم من أن ترامب أعلن أن «جميع الخيارات مطروحة على الطاولة»، إلا أن مخاطر الانخراط في حرب مع الجمهورية الإسلامية  -التي تُشبه «الأسد الجريح»- قد تفرض كلفة باهظة على الولايات المتحدة وإسرائيل، وربما لا يجرؤ ترامب على تحمّلها.

كما أن احتمال إبرام صفقة بين الطرفين قد يُبعد هذا السيناريو، خاصة إذا صحّ ما ذكره ترامب من أن إيران طلبت التفاوض، وفي حال قرر التراجع مقابل الحصول على تنازلات كبيرة من النظام الإيراني. ويبقى ذلك مرهونًا بمدى استعداد النظام لتقديم تنازلات في مثل هذه الظروف، مع الإشارة إلى أن تقديم التنازلات في لحظة مفصلية بين البقاء والفناء قد يُعدّ خيارًا أكثر عقلانية.

سيناريو الاحتواء وإدارة الوضع: يتحقق هذا السيناريو أيضًا بناءً على عدة عوامل، منها:

  • القمع التدريجي والواسع في ظل انقطاع جميع قنوات الرقابة الخارجية؛
  • تفكيك العناصر الرئيسية ومراكز الخلايا المعارضة داخل البلاد؛
  • الاستعانة بقوى مساندة خارجية، مثل الجماعات العراقية الموالية للنظام، أو حتى قوات من دول حليفة؛
  • وتقديم وعود اقتصادية للمواطنين عبر زيادة الدعم الحكومي ووسائل أخرى.

ويصبح هذا السيناريو ممكنًا إذا تمكن النظام، في الوقت ذاته، من استخدام كامل طاقته القمعية لتفكيك النواة الأساسية ومنظمي الاحتجاجات، مع تقديم وعود اقتصادية مطمئنة لعامة الناس.

كما يُعدّ تنفيذ إصلاحات اجتماعية تلبي تطلعات المواطنين عاملًا حاسمًا في نجاح هذا المسار. وبالنظر إلى القوة القمعية التي يمتلكها النظام الإيراني، والتي جُرّبت سابقًا، إضافة إلى قدرته على المناورة والمرونة في التعامل مع الداخل، فإن احتمال تحقق هذا السيناريو يُعدّ مرتفعًا، بشرط عدم تصاعد الضغوط الخارجية أو حدوث تدخل عسكري يهدف إلى إسقاط النظام. وفي هذه الحالة، قد يكون النظام مستعدًا لتقديم تنازلات للولايات المتحدة وإسرائيل من أجل تخفيف الضغط الخارجي.

سيناريو استمرار الأزمة المُسيطر عليها: وفق هذا السيناريو، لا تؤدي الاحتجاجات الاجتماعية إلى انهيار النظام السياسي، ولا إلى عودة الاستقرار المستدام، بل تستمر بشكل متقطع، متفرّق، وقابل للاحتواء. حيث تنتقل الدولة من نهج القمع الشامل إلى أسلوب السيطرة المُحكمة، بحيث يتركّز استخدام القوة في المدن والنقاط الحساسة، ولا سيما طهران ومراكز السلطة، بينما يُعتمد في باقي المناطق على الأدوات الاستخباراتية وقطع شبكات الاحتجاج.

ونتيجة لتراجع نسبي في الاحتجاجات الميدانية، ينخفض الضغط الخارجي، ولا سيما التهديد بالتدخل العسكري الأميركي. غير أن استمرار العقوبات، إلى جانب الاختلالات البنيوية في الاقتصاد، يؤدي إلى تدهور تدريجي في الأوضاع المعيشية.

ويظل مآل هذا الوضع هو تكرار الحلقة المفرغة نفسها: انتفاضة شعبية يعقبها قمع حكومي. فمع أن الدولة قادرة على احتواء الاحتجاجات الميدانية، إلا أن السخط الاجتماعي يزداد يومًا بعد يوم. وبطبيعة الحال، فإن هذا المشهد يضع مستقبل إيران في دائرة من الغموض، ويجعل تكرار أي من السيناريوهات السابقة أمرًا واردًا في أي لحظة.

الخاتمة

تحوّلت التظاهرات الأخيرة في إيران، التي كان منطلقها الأول احتجاجات اقتصادية قادها التجّار على تقلبات سعر الصرف وتردّي الأوضاع المعيشية، بسرعة إلى حركة واسعة ذات طابع سياسي. ويعكس هذا التحول عمق حالة السخط البنيوي في المجتمع الإيراني؛ حيث تؤدي المطالب المعيشية، نتيجة إخفاق الإدارة الاقتصادية والضغوط الخارجية، إلى مواجهة مباشرة مع البنية السياسية الحاكمة. وتميّزت هذه الموجة باتساعها الجغرافي، ومشاركة فئات اجتماعية مختلفة، ووضوح الشعارات المناهضة للحكومة، بل وحتى المؤيدة للنظام السابق.

ويمكن البحث عن أسباب توسّع هذه الاحتجاجات في تداخل السخط الداخلي العميق مع تأثير العوامل الخارجية. فمن جهة، يُعدّ انعدام ثقة المواطنين بقدرة النظام على معالجة الأزمات الاقتصادية والمعيشية المحرّك الرئيسي لاستمرار الاحتجاجات، ومن جهة أخرى أسهمت أشكال الدعم الإعلامي والمعنوي للمعارضين في الخارج، والتصريحات التحريضية الصادرة عن مسؤولي بعض الدول الغربية، ولا سيما الولايات المتحدة، في تأجيج الأجواء المتأزمة وتعزيز آمال المحتجين بالحصول على دعم خارجي.

وقد تعاملت الحكومة الإيرانية مع هذه الاحتجاجات، كما في السابق، باستراتيجية مزدوجة تجمع بين «النهج المصلحي» و«النهج القمعي»؛ إذ اعترفت من جهة بحق التظاهر، ومن جهة أخرى وسمت جزءًا من المحتجين بصفة «مثيري الشغب» وقامت بقمعهم، مع توظيف جميع الأدوات الأمنية وقطع وسائل الاتصال، وهو ما يمكن أن يدل على عزم السلطة على السيطرة على الوضع عبر استخدام القوة القهرية.

وبالنظر إلى مجمل المتغيرات والعوامل الظاهرة والخفية في هذه الموجة من التظاهرات في إيران، تبرز ثلاثة سيناريوهات محتملة: تغيير النظام، أو احتواء الوضع وإدارته، أو استمرار الأزمة من دون إسقاط الحكومة ولكن مع إضعاف شديد للنظام. ويبدو أن ما يجعل السيناريو الأول أكثر ترجيحًا هو التدخل الخارجي بوصفه عاملًا حاسمًا؛ فمع أن العامل الداخلي مهم في هذا السيناريو، إلا أن دخول العامل الخارجي على الخط يزيد من فرص تحققه. غير أن هذا السيناريو، رغم كونه سيناريو أقصى، إلا أنه بالغ الكلفة، ولا سيما بالنسبة للطرف الخارجي. وبناءً على ذلك، تميل دوائر صنع القرار لدى ترامب، مع الاستمرار في الخطاب التصعيدي وتجنّب الانخراط في مواجهة مباشرة، إلى تركيز الاستثمار الأساسي على العامل الداخلي، بهدف دفع النظام الإيراني نحو السقوط بأقل كلفة ممكنة.

أما السيناريو الثاني فينسجم بدرجة أكبر مع التجربة التاريخية للجمهورية الإسلامية؛ إذ إن النظام الإيراني، دون مواربة، أعدّ نفسه لمثل هذه الأيام، ولذلك لا تُربكه بسهولة مثل هذه التظاهرات. ويعمد النظام، من خلال اتباع سياسة القمع التدريجي، وإجراء إصلاحات غير معلنة، وتقديم تنازلات اقتصادية للمواطنين، إلى تخفيف حدّة الاحتجاجات، وكذلك من خلال تقديم بعض التنازلات للولايات المتحدة  -التي تتوقع بدورها الحصول على مكاسب- إلى تهدئة الأوضاع وإطفاء جذوة الأزمة.

وفي هذا السياق، يمكن طرح احتمال ثالث يتمثل في انتقال الوضع في إيران إلى حالة استنزاف متبادل، تطال كلًا من الاحتجاجات والدولة معًا؛ حيث تبقى الحكومة قائمة، لكنها شديدة الضعف والهشاشة، فيما يصبح المجتمع الإيراني أكثر راديكالية، لكنه عاجز عن إسقاط النظام، ويتجه النظام بدوره نحو طابع عسكري–أمني. ويجعل هذا السيناريو الحدّ الفاصل بين العودة إلى الاستقرار والانهيار حدًّا رفيعًا للغاية، ويزيد من غموض المستقبل. ويعتمد الاتجاه نحو الاستقرار أو الانهيار على مدى تماسك قوى النظام في مقابل المجتمع، إضافة إلى العامل الخارجي؛ فأيّ الطرفين يحظى بقدر أكبر من التماسك والقوة سيكون العامل الحاسم في تحديد مسار الأوضاع مستقبلًا.

التوصيات

  1. من الضروري أن تعالج الحكومة الإيرانية المطالب المشروعة للمتظاهرين، والمتمثلة في سوء الأوضاع الاقتصادية، من أجل إزالة السبب الجوهري لاحتجاجات المواطنين؛
  2. ينبغي على الشعب الإيراني أن يدرك أن الاستقرار القائم في إيران أفضل من أي مطلب آخر؛ ولذلك لا يجوز التحرك دون حساب دقيق بوصفه أداة بيد الأجانب لخدمة مصالحهم، أو الإقدام على إحراق المرافق العامة ومهاجمة المراكز الحكومية بما يؤدي إلى تدمير البلاد بأيدي أبنائها، بل يجب التعبير عن الاحتجاج بأسلوب ينسجم مع رقي الثقافة وثراء الحضارة الإيرانية؛
  3. من الضروري أن تواصل الإمارة الإسلامية نهجها القائم على عدم التدخل والحياد إزاء القضايا الإيرانية، وأن تشجّع، عبر البيانات والمواقف الدبلوماسية، حكومة وشعب إيران على ضبط النفس.

المراجع

[i]. إضراب وتجمّع احتجاجي لتجّار مجمّع علاء الدين في طهران. موقع دويتشه فيله، تاريخ النشر: 7/10/1404، متاح على:

[ii]. اليوم الثاني من الاحتجاجات الواسعة للتجّار في طهران ومدن أخرى؛ الشرطة تلجأ إلى العنف وإطلاق الغاز المسيل للدموع. موقع يورونيوز، تاريخ النشر: 29/12/2025، متاح على:

[iii]. من الاحتجاج على ارتفاع سعر الدولار إلى «جاويد شاه». موقع دويتشه فيله، تاريخ النشر: 19/10/1404، متاح علی:

[iv]. تقارير تفيد بانقطاع كامل للإنترنت في إيران. موقع إيران إنترنشنال، تاريخ النشر: 19 جدّي 1404، متاح علی:

[v]. فيديو دعوة الأمير رضا بهلوي على إنستغرام يصل إلى 80 مليون مشاهدة. إيران إنترنشنال، تاريخ النشر: 18/10/1404، متاح علی:

[vi]. ما الذي يجب معرفته عن الاحتجاجات في إيران. موقع دويتشه فيله، تاريخ النشر: 20/10/1404، متاح علی:

[vii]. ردود فعل ترامب ومسؤولين أمريكيين آخرين على الاحتجاجات في إيران منذ بدايتها حتى اليوم. بي بي سي فارسي، تاريخ النشر: 23/10/1404، متاح علی:

[viii]. مصدر نفسه

[ix]. قائد إيران: سنتحدث مع المحتج، لكن مثيري الشغب يجب وضعهم في مكانهم. بي بي سي فارسي، تاريخ النشر: 3/1/2026، ممتاح علی:

الإحتجاجات في إيران: الجذور، العوامل، والسيناريوهات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تمرير للأعلى