المفاوضات بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران؛ النتائج والسيناريوهات

تحرير: مركز الدراسات الاستراتیجية والإقلیمیة

ملاحظة: انقر هنا للحصول على ملف PDF لهذا التحليل.
___________________________________________________________________

ستقرؤون في هذه النشرة:

  1. المفاوضات بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران؛ النتائج والسيناريوهات
  2. أسباب عودة طهران مجددا إلى طاولة المفاوضات
  3. مطالبات ترامب من إيران
  4. كيف سيكون ردّ إيران؟
  5. السيناريوهات المحتملة
  6. خاتمة
  7. التوصيات
  8. مراجع

___________________________________________________________________

مقدمة

انتهت الجولة الأولى من المفاوضات بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران بشأن الملف النووي الإيراني إلى حالة من الجمود، وذلك بعد عدة جولات من المحادثات التي ترافقت مع تحديد مهلة شهرين من قبل دونالد ترامب في 5 مارس/آذار 2025، دون التوصل إلى اتفاق واضح، أعقبها رفض رسمي للمقترح من قبل المرشد الإيراني في 12 مارس/آذار 2025. ومع انتهاء المهلة التي حددها ترامب، شرعت إسرائيل في تنفيذ هجمات جوية واسعة استهدفت مواقع داخل إيران، فيما ردّت طهران بهجمات صاروخية مضادة على أهداف داخل إسرائيل.

وبعد عدة أيام من الاشتباكات بين إسرائيل وإيران، انضمت الولايات المتحدة إلى المواجهة، ونفذت عمليات جوية استهدفت ثلاثة مواقع نووية إيرانية (فوردو، نطنز، وأصفهان)، وأعلنت تدميرها الكامل لهذه المنشآت، قبل أن تعلن  لاحقا وقف إطلاق النار.

ومع ذلك، وبعد مرور عدة أشهر على ذلك النزاع الذي استمر اثني عشر يومًا، عاد ترامب مجددًا لطرح القضية النووية، وأرسل حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» إلى بحر العرب، ملوّحًا بشن هجوم على إيران في محاولة لإجبارها على العودة إلى طاولة المفاوضات. وفي نهاية المطاف، أعلنت طهران الأسبوع الماضي موافقتها على استئناف المحادثات، وعُقدت الجولة الأولى منها في مسقط، عاصمة سلطنة عُمان.

في هذا السياق، يبرز السؤال المحوري: ما العوامل التي دفعت إيران إلى قبول العودة إلى التفاوض؟ وهل يمكن لهذه المحادثات أن تفضي إلى اتفاق مستدام، أم أن تجربة الهجوم السابقة ستتكرر؟ وأخيرًا، في حال التوصل إلى اتفاق أو عدمه، ما السيناريوهات المحتملة لمستقبل هذا المسار؟ هل سيكون هناك اتفاق محدود، أم اتفاق شامل، أم استمرار لحالة التعليق، أم عودة إلى دائرة المواجهة العسكرية المفتوحة؟

أسباب عودة طهران مجددا إلى طاولة المفاوضات

تُعزى عودة إيران إلى طاولة التفاوض إلى تحول جوهري في حساباتها الاستراتيجية، ويمكن تفسير ذلك من خلال العوامل التالية:

  1. تراجع القدرة الردعية لإيران: على مدى السنوات الماضية، استندت رؤية الجمهورية الإسلامية إلى افتراض مفاده أن شبكة الجماعات الحليفة لها في المنطقة، إلى جانب قدراتها الصاروخية وإمكانيتها في تهديد المصالح الأميركية والإسرائيلية، تشكل منظومة ردع فعّالة في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة.

وكانت التقديرات النظرية، مدعومة بحملات دعائية واسعة، تُظهر القدرات متعددة الأبعاد لإيران بطريقة تجعل تكلفة أي هجوم مباشر عليها باهظة إلى حد يثني الطرف المقابل عن الإقدام عليه. [i]

غير أن تطورات الأشهر الأخيرة وضعت هذه الفرضية موضع شك عميق. فقد وجهت إسرائيل ضربات متتالية إلى القوات المرتبطة بإيران في المنطقة، ما أدى إلى إضعاف ملموس في قدراتها العملياتية. كما أن سقوط نظام الأسد، بوصفه أكبر حلفاء إيران، وما ترتب عليه من فقدان الأراضي السورية باعتبارها خط الدفاع الأمامي لإيران ومنصة للهجوم على إسرائيل، شكّل تحولًا استراتيجيًا بالغ الأثر.

ثم جاءت الهجمات المباشرة التي استمرت اثني عشر يومًا على الأراضي الإيرانية، والتي أسفرت، إضافة إلى مقتل عدد من كبار القادة العسكريين والعلماء النوويين البارزين، عن أضرار جسيمة لحقت بالسياسات النووية والمراكز العسكرية الإيرانية. [ii] وقد أدت هذه التطورات إلى قلب المعادلات السابقة، وتغيير ميزان القوى بشكل ملحوظ على حساب إيران، وأظهرت أن الردع الذي كانت طهران تراهن عليه لم يمنع وقوع هجوم واسع ضدها.

وجاءت نقطة التحول الحاسمة عندما دخلت الولايات المتحدة مباشرة في النزاع، مستهدفة المنشآت النووية الإيرانية، ما عزز الرسالة بأن ترامب، شأنه شأن رؤساء أميركيين آخرين، لا يتحلى بضبط النفس حيال توجيه ضربات مباشرة إلى الأراضي الإيرانية. كما اتضح عمليًا أن أياً من القوى الكبرى، بما في ذلك روسيا والصين، لم تقف إلى جانب إيران ضد إسرائيل والولايات المتحدة، بل اكتفت جميعها بمراقبة مشهد الهجمات المشتركة الإسرائيلية-الأميركية، التي حظيت بلا شك بدعم غير مباشر من دول غربية أخرى، بل وحتى من بعض دول المنطقة.

صحيح أن إيران أظهرت قدرتها على الرد، كما بدا في الحرب التي استمرت اثني عشر يومًا، حيث استهدفت الأراضي الإسرائيلية وأكبر قاعدة أميركية في المنطقة باستخدام صواريخ فرط صوتية ومتطورة، إلا أن مجمل هذه الأحداث قوض أسس الحسابات الأمنية الإيرانية. وأدركت طهران أنها لم تعد قادرة، بالاعتماد على أدواتها السابقة، على منع الهجمات المباشرة من خصومها، وأن قدرتها الردعية المعلنة فقدت جزءًا كبيرًا من فعاليتها.

  1. تراجع القاعدة الاجتماعية للنظام: إلى جانب العوامل الخارجية، برز عامل داخلي بالغ الأهمية تمثل في اندلاع احتجاجات دامية في مدن إيرانية عدة بعد أسابيع من انتهاء الحرب الاثني عشرية مع إسرائيل والولايات المتحدة. وقد نسبت السلطات الإيرانية هذه الاحتجاجات إلى «تحريض وتنظيم خارجي»،[iii] غير أنها كشفت عمليًا عن اتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع.

وبغض النظر عن التفسيرات الرسمية، فإن اندلاع احتجاجات واسعة في ظل ظروف حرب أظهر أن النظام الإيراني لا يتمتع بقاعدة اجتماعية متماسكة وموثوقة. وبالنسبة لنظام سياسي يواجه احتمال مواجهة عسكرية مع قوتين كبيرتين، فإن غياب التماسك السياسي-الاجتماعي يمثل ضعفًا بنيويًا خطيرًا للغاية.

في الواقع، أدت الأوضاع الاجتماعية، حتى بعد القمع الشديد للاحتجاجات، إلى تقييد قدرة الحكومة الإيرانية على مواصلة مسار التصعيد. فقد أدركت القيادة أن استمرار التوتر قد لا يؤدي فقط إلى تدمير البنى التحتية، بل قد يفضي أيضًا إلى اضطراب داخلي، واتساع رقعة الاحتجاجات، واستنزاف السلطة تدريجيًا.

وبالتوازي مع الأجواء الداخلية المتوترة، بلغت الضغوط الاقتصادية مستوى حرجًا. فالعقوبات الواسعة، وتراجع عائدات النفط، وارتفاع معدلات التضخم، وتزايد السخط الشعبي، وضعت الاقتصاد الإيراني في وضع هش للغاية. وفي مثل هذه الظروف، فإن تصعيد المواجهة العسكرية قد يقود إلى مزيد من الانهيار الاقتصادي والاجتماعي. وبالنسبة لنظام يواجه بالفعل احتجاجات داخلية وتآكلًا في قاعدته الشعبية، فإن الانخراط في حرب شاملة يُعد خيارًا مكلفًا وخطيرًا للغاية.

  1. فقدان الدعم الخارجي المباشر: إلى جانب ما سبق، تواجه إيران واقع العزلة الاستراتيجية. ففي ذروة الأزمة، لم تُبدِ أي قوة كبرى استعدادًا للوقوف عمليًا إلى جانب طهران. فلم تكن لا روسيا ولا الصين مستعدتين للدخول في مواجهة مباشرة أو غير مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل من أجل إيران. وقد حملت هذه العزلة دلالة ثقيلة للغاية بالنسبة للحكومة الإيرانية: ففي حال استمرار التصعيد، ستكون طهران عمليًا مضطرة لتحمّل كلفة حرب محتملة بمفردها؛ حرب لا يبدو أن قدراتها الاقتصادية والعسكرية كافية لخوضها.

من هنا، ينبغي فهم قرار إيران بالعودة إلى طاولة المفاوضات بوصفه نتيجة تزامن عدة عوامل: تراجع القدرة الردعية العسكرية، انهيار جزء من المحور الإقليمي، العزلة الدولية، الضغوط الاقتصادية الحادة، الانقسامات الداخلية والاحتجاجات الاجتماعية، والتهديد العسكري المباشر من جانب الولايات المتحدة. وقد قادت مجمل هذه العوامل طهران إلى قناعة مفادها أن استمرار المواجهة قد يعرّض بقاء النظام واستقراره لمخاطر جسيمة. لذلك، ومع إرسال ترامب أكبر حاملة طائرات إلى المنطقة، أصبح خطر اندلاع حرب أوسع وأكثر فتكًا، ذات تداعيات أشد خطورة من السابق، احتمالًا قائمًا، وهو ما رفع كلفة استمرار التصعيد على إيران إلى مستوى غير مسبوق. وعليه، لم يبقَ أمام طهران سوى العودة إلى المسار الدبلوماسي، فحضرت مجددًا إلى طاولة المفاوضات.

مطالبات  ترامب من إيران

لتقييم المآلات المحتملة للمفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، ينبغي أولًا فهم طبيعة المطالب التي طرحها دونالد ترامب بدقة. فما أعلنه ترامب كأجندة تفاوضية لا يقتصر على اتفاق نووي فحسب، بل يمثل حزمة واسعة من المطالب التي صرّح بها هو وكبار المسؤولين الأمريكيين. تبدأ هذه المطالب بتفكيك كامل للبرنامج النووي الإيراني، [iv]وتمتد إلى فرض قيود صارمة على القدرات الصاروخية بحيث لا يتجاوز مداها 500 كيلومتر،[v] وتشمل وقف دعم الجماعات الوكيلة في الشرق الأوسط،[vi]  بل وتتعدى ذلك إلى كيفية تعامل الحكومة الإيرانية مع مواطنيها. [vii] إن مثل هذه القائمة تعني عمليًا محاولة إعادة تعريف موقع إيران الإقليمي، لا مجرد تسوية ملف نووي.

المطلب الأول والأهم يتمثل في التفكيك الكامل للمشروع النووي الإيراني. فمن منظور واشنطن، ما دامت إيران تحتفظ بقدرات التخصيب والبنية التحتية النووية، فإن إمكانية العودة السريعة إلى عتبة إنتاج سلاح نووي ستظل قائمة. غير أن البرنامج النووي، من منظور طهران، ليس مجرد مشروع علمي أو اقتصادي، بل يُعد رمزًا للسيادة الوطنية وحقًا قانونيًا. وقد دفعت إيران خلال العقدين الماضيين أثمانًا سياسية واقتصادية وأمنية باهظة للحفاظ عليه، ما يجعل قبول “التفكيك الكامل” بمثابة اعتراف رسمي بهزيمة استراتيجية. وعليه، فإن التقدير الواقعي يشير إلى احتمال موافقة إيران على قيود صارمة، وخفض مستوى التخصيب، وقبول عمليات تفتيش موسعة، وربما تعليق أجزاء من البرنامج، لكن القبول بإزالة البنية التحتية النووية بالكامل يبدو أمرًا مستبعدًا للغاية.

أما المطلب الثاني المتعلق بتقليص مدى الصواريخ إلى 500 كيلومتر، فيُعد أكثر حساسية حتى من الملف النووي. فالقدرة الصاروخية تُشكّل بالنسبة للجمهورية الإسلامية الركيزة الأخيرة للردع في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة، خاصة بعد تراجع نفوذ شبكاتها الإقليمية. وتقليص المدى إلى هذا الحد يعني عمليًا تجريد إيران من قدرتها الاستراتيجية على الرد، وهو ما يجعل قبول هذا الشرط أمرًا بالغ الصعوبة. وفي أفضل الأحوال، قد توافق طهران على قيود تتعلق بالتجارب الصاروخية، أو زيادة الشفافية، أو وقف تطوير بعض الأنظمة الجديدة، أو الامتناع عن نقل الصواريخ إلى جهات غير حكومية؛ لكن خفض المدى بشكل جوهري يُعد خطًا أحمر يصعب تجاوزه.

في المقابل، يبدو أن المحور الثالث، أي وقف دعم الجماعات الوكيلة، يتيح مجالًا أكبر لتقديم تنازلات. إذ تشير الوقائع الميدانية إلى أن هذه الشبكات فقدت جانبًا مهمًا من قدراتها، وأصبحت كلفة دعمها تفوق منافعها. ومن المرجح أن تبدي طهران استعدادًا لتقليص الدعم المالي والعسكري، ووقف نقل الأسلحة المتطورة، والانكفاء عن بعض الساحات الإقليمية لتخفيف الضغوط الدولية. هذا المحور، بخلاف السابقين، يبدو أكثر انسجامًا مع المتغيرات الإقليمية، وقد يشكّل أرضية رئيسية لأي اتفاق محتمل.

أما المطلب الرابع المتعلق بتغيير السلوك الداخلي للحكومة الإيرانية، فيحمل طابعًا سياسيًا وأيديولوجيًا يتجاوز الإطار التقليدي للمفاوضات الأمنية. ومن شبه المؤكد أن الجمهورية الإسلامية ستعتبره تدخلًا في شؤونها الداخلية وترفضه رسميًا. وأقصى ما قد تقدمه في هذا السياق هو إصلاحات تكتيكية ومؤقتة لتخفيف الضغوط، لا تغييرات هيكلية دائمة.

وبناءً على ما سبق، يبدو أن احتمال التوصل إلى اتفاق شامل وفق الرؤية القصوى التي طرحها ترامب ليس مرجحًا بدرجة كبيرة.

ما النتيجة المحتملة؟

من الواضح أنّ طهران لن ترضخ بأيّ حال من الأحوال للمطالب الثقيلة التي تطرحها الولايات المتحدة، والتي يمكن تفسيرها عملياً على أنّها دعوة إلى استسلام كامل لإيران. في هذه الحالة، ما الخطوة التالية التي قد تقدم عليها واشنطن؟

في ضوء التطورات السابقة، ومنها إرسال حاملة الطائرات USS Abraham Lincoln، وتعهد الرئيس الأمريكي آنذاك دونالدترامب بإرسال حاملة أخرى إلى المنطقة،[viii] يبدو أنّ مرحلة الاكتفاء بزيادة الضغوط عبر تشديد العقوبات والتهديدات السياسية واستعراض القوة العسكرية قد تجاوزت حدودها، وأنّ الخطوة التالية باتت تحتاج إلى حسابات دقيقة.

أضعف الاحتمالات قد يتمثل في تكرار النمط السابق، أي تنفيذ ضربات محدودة ودقيقة تستهدف مواقع حساسة داخل إيران. هذا الخيار ينسجم مع السلوك الأمريكي في السابق: عدم الانخراط في حرب شاملة، بل استخدام القوة العسكرية كأداة ضغط لدفع طهران إلى التراجع والعودة إلى طاولة المفاوضات، وهو احتمال وارد بقوة. أما أقصى الاحتمالات فيتمثل في اندلاع حرب شاملة.

ورغم أنّ لدى إيران خيارات مثل إغلاق مضيق هرمز وامتلاك صواريخ قادرة على استهداف القواعد الأمريكية وربما حتى حاملات الطائرات، فإن الولايات المتحدة، من حيث الجاهزية العسكرية، تبدو أكثر استعداداً لتنفيذ عمليات ضد إيران. فانتشار حاملة الطائرات أبراهام لينكولن في بحر العرب، وإرسال حاملة أخرى، ووجود قواعد أمريكية متعددة في قطر والبحرين والإمارات والعراق، والتفوق الجوي والبحري المطلق لواشنطن، واستعداد إسرائيل للتحرك في حال أقدمت الولايات المتحدة على عمل عسكري، إضافة إلى حالة الضعف غير المسبوقة التي تمر بها إيران، كلها عوامل تشير إلى عدم وجود عوائق فنية أو عملياتية جدية أمام شن هجوم.

إذا لم يتراجع ترامب عن مطالبه، ولم تتزحزح إيران قيد أنملة عن مواقفها، فإن احتمال تنفيذ هجوم واسع بهدف تدمير القدرات العسكرية والاقتصادية الإيرانية ليس مستبعداً، خاصة مع إلحاح بنيامين نتنیاهو على دفع ترامب نحو هذا الخيار.

لكن ذلك يفترض أنّ ترامب قد حسب بدقة كلفة إشعال حرب كبرى مع إيران، بما في ذلك السيطرة على حالة عدم الاستقرار الواسعة في الشرق الأوسط، واضطراب سوق الطاقة العالمي وارتفاع أسعار النفط بشكل حاد، واحتمال اندلاع مواجهة طويلة الأمد واستنزافية، وخطر انخراط أطراف إقليمية ودولية أخرى في النزاع. أما إذا لم تُحتسب هذه التكاليف بدقة، فإن السيناريو الأرجح يظل تكرار نموذج الضربات المحدودة والدقيقة والمتدرجة، بهدف إضعاف إيران وانتزاع تنازلات سياسية، لا إسقاط النظام أو احتلال البلاد عسكرياً.

كيف سيكون ردّ إيران؟

من المؤكد أنّ طهران لن تلتزم الصمت إزاء أي هجوم، لكن نطاق ردها وحدّته سيتحددان تبعاً لحجم الضربة الأمريكية. فإذا تعرضت لهجوم مدمر، فقد تلجأ إلى استخدام جميع خياراتها، من استهداف القواعد والسفن الأمريكية إلى ضرب إسرائيل، وربما إغلاق مضيق هرمز.

ورغم أنّ إيران، في حال نشوب حرب واسعة، لا تمتلك قدرات عملياتية تضاهي الولايات المتحدة وإسرائيل، وتواجه في الوقت الراهن قيوداً كبيرة، فإنها في لحظة مفصلية بين البقاء والفناء ستسخّر كل ما لديها من إمكانات.

أما إذا اقتصرت الهجمات الأمريكية على ضربات محدودة ودقيقة، فمن المرجح أن يكون الرد الإيراني، كما في السابق، رمزياً وردعياً ومحسوباً، بحيث لا يؤدي إلى تصعيد خارج عن السيطرة، ولا سيما تجنب استهداف حاملة طائرات أمريكية بقصد إغراقها.

السيناريوهات المحتملة

السيناريو الأول: نظراً إلى أن الخيار العسكري مكلف للطرفين أكثر مما يحقق من مكاسب، فإن السيناريو الأكثر منطقية يتمثل في التوصل إلى اتفاق محدود، مرحلي وتدريجي، تقيد إيران بموجبه جزءاً من برنامجها النووي وتخفض مستوى التوتر الإقليمي، مقابل رفع أو تعليق جزء من العقوبات. مثل هذا الاتفاق قد يكون مقبولاً للطرفين؛ إذ يمكن لترامب تقديمه على أنه نجاح في احتواء إيران، فيما تعتبره طهران كسرًا للحصار الاقتصادي.

السيناريو الثاني: التوصل إلى «اتفاق كبير» يلبي جميع مطالب ترامب، وهو احتمال نظرياً ممكن لكنه عملياً مستبعد جداً، لأنه يتطلب تغييراً جذرياً في طبيعة سلوك الجمهورية الإسلامية، وهو أمر لا يبدو أن بنية السلطة في إيران مستعدة له، ولا ينسجم مع منطق بقاء النظام ومصالحه.

السيناريو الثالث: فشل المفاوضات والعودة إلى دائرة المواجهة. فإذا أصرت الولايات المتحدة على مطالبها القصوى، ورفضت إيران تقديم تنازلات جوهرية، فقد تنهار المحادثات وتُستأنف الضغوط العسكرية والاقتصادية. ومع ذلك، حتى في هذه الحالة، يبقى احتمال عودة إيران إلى طاولة التفاوض قائماً، لأن كلفة حرب كبرى ستكون على طهران—وإلى حد ما على واشنطن—أعلى بكثير من كلفة تقديم تنازلات.

السيناريو الرابع: وهو النسخة المشددة من السيناريو الثالث، حيث تفشل المفاوضات بالكامل ويصدر ترامب أمراً بشن هجوم شامل وكاسح ضد إيران. يتعزز هذا السيناريو إذا رُبطت أحداث الأشهر الماضية ببعضها: إضعاف الحلفاء الإقليميين لإيران، إدارة حرب قصيرة لاختبار قدراتها العسكرية، السيطرة على حقول نفطية في فنزويلا لاحتواء أي أزمة محتملة في سوق النفط، وتحريك احتجاجات داخلية عمّقت الفجوة بين الدولة والمجتمع.

ورغم أنّ طرح مطالب قصوى يُعد أسلوباً تفاوضياً معروفاً، فإن الإصرار على شروط غير واقعية قد يُفسر أيضاً كتمهيد لتبرير خيار الحرب. ووفق هذا السيناريو، قد يقدم ترامب، بالتنسيق مع نتنياهو، على شن هجوم عسكري واسع بهدف إسقاط النظام، مع احتمال تزامن الضربات العسكرية وتدمير المراكز العسكرية والأمنية مع اندلاع اضطرابات داخلية.

خاتمة

عودة إيران إلى طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة ليست ناتجة عن تغيير في التكتيك، بل هي نتيجة لانهيار الحسابات الاستراتيجية الكبرى لإيران القائمة على الردع؛ إذ إن إضعاف الجماعات الوكيلة، وتآكل القدرات العسكرية، والعزلة الدولية، والفجوة العميقة بين الدولة والمجتمع، كلها عوامل رفعت كلفة استمرار المواجهة إلى مستوى يتجاوز قدرة النظام على تحمّله.

ومع ذلك، فإن المطالب القصوى التي يطرحها Donald Trump – من تفكيك البرنامج النووي إلى نزع السلاح الصاروخي، ووقف دعم «محور المقاومة»، وتغيير السلوك الداخلي- تتجاوز في طبيعتها الملف النووي، وتتجه نحو إخضاع إيران. أما الطرف الإيراني، الذي سبق أن تلقّى ضربات من الولايات المتحدة وIsrael، فهو أمام خيارين: إما الاستسلام، أو الصمود بالاعتماد على قوته العسكرية والاستراتيجية.

السيناريو المنطقي يتمثل في أن يتجاوز الطرفان جزءًا من مطالبهما ومواقفهما للوصول إلى اتفاق مستدام. ويُحتمل ذلك على أساس أن الجانب الأميركي قد طرح مطالبه بسقف مرتفع جدًا بغية الوصول إلى هدف أكثر تركيزًا، وهو الاتفاق النووي، وفقًا للمثل الدارج: «يطلب الموت ليرضى بالحمّى». غير أن تعقيد القضايا وتشابك المسارات القائمة يزيدان من احتمال لجوء الطرفين إلى المناورة، وفي هذه الحالة يبرز سيناريو الاتفاق الهش وتكرار الدورات العقيمة السابقة، بما يتجلى في وضع لا يفضي إلى اتفاق شامل ولا إلى حرب شاملة، بل إلى اتفاق محدود وتدريجي.

أما أسوأ السيناريوهات، فهو اندلاع حرب واسعة النطاق تهدف إلى إسقاط النظام في إيران. وهذا السيناريو، من جهة، يبدو مستبعدًا نظرًا إلى القدرات الصاروخية غير القابلة للإنكار لإيران وإمكانية تكبيد الولايات المتحدة كلفة باهظة، لكنه من جهة أخرى، ومع الذرائع الحالية والسلوك غير المتوقع لترامب، لا يمكن استبعاده بالكامل.

التوصيات

استنادًا إلى ما تم استعراضه، يمكن تقديم المقترحات الآتية إلى حكومة أفغانستان:

  1. أن تحسب الإمارة الإسلامية بدقة كل سيناريو محتمل، وأن تستعد لتحمّل التأثيرات والتبعات الناجمة عن كل منها؛
  2. أن تواصل الإمارة الإسلامية، كما لوحظ حتى الآن، الامتناع عن الانخراط في مثل هذا الصراع مستقبلاً أيضًا.

مراجع

[i]. مفهوم الردع الإيراني. إفرايم كام. المعهد الإسرائيلي لدراسات الأمن القومي (INSS)، يوليو/تموز 2021. متاح على:

[ii]. إيران في أزمة: المشهد بعد حرب الأيام الاثني عشر. كريستوف ستراخوتا، 18 ديسمبر/كانون الأول 2025،متاح علی:

[iii]. خامنئي يحمّل ترامب مسؤولية ضحايا الاحتجاجات ويصفه بالمجرم. موقع إيران إنترناشيونال، 17 يناير/كانون الثاني 2026،,متاح علی:

[iv]. ترامب: هدف المفاوضات «التفكيك الكامل» للبرنامج النووي الإيراني؛ لديكم نفط، فما حاجتكم إلى الطاقة النووية؟ موقع يورونيوز، 5 مایو/أیار2025، متاح علی:

[v]. الولايات المتحدة تشترط أن ينخفض مدى الصواريخ الإيرانية إلى أقل من 500 كيلومتر! موقع دنياي اقتصاد، تاريخ النشر23 دسامبر/کانون الاول2025 ، متاح علی:

[vi]. بدء المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة في مسقط في ظل التهديدات العسكرية. موقع دويتشه فيله،6  فبرایر/شباط 2026 ، متاح على:

[vii]. همان منبع

[viii]. نشرة إخبارية: ترامب قد نرسل حاملة طائرات أخرى إلى المنطقة. موقع دويتشه فيله، تاريخ النشر10 فبرایر/شباط  2026 ، متاح على:

المفاوضات بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران؛ النتائج والسيناريوهات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تمرير للأعلى