قراءة تحليلية في الهجوم العسكري الأمريكي على فنزويلا

تحرير: مركز الدراسات الاستراتیجية والإقلیمیة

ملاحظة: انقر هنا للحصول على ملف PDF لهذا التحليل.
___________________________________________________________________

ستقرؤون في هذه النشرة:

  1. قراءة تحليلية في الهجوم العسكري الأمريكي على فنزويلا
  2. خلفية التوتر في العلاقات بين الولايات المتحدة و فنزويلا
  3. خرق القانون الدولي
  4. ردود أفعال الدول والمنظمات الدولية
  5. استشراف الآثار على النظام الدولي
  6. الخاتمة
  7. التوصيات
  8. المصادر

___________________________________________________________________

مقدمة

منذ بداية الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، اتخذت السياسة الخارجية للولايات المتحدة  منحىً أكثر فاعلية وعدوانية، قائمًا على توسيع نطاق اللجوء  إلى القوة العسكرية. وتشير التقارير إلى أنه خلال هذه المرحلة نُفِّذت ضربات عسكرية مباشرة وعمليات خاصة استهدفت عدد من الدول، من بينها اليمن، والصومال، والعراق، وإيران، ونيجيريا، وفنزويلا. ولا تقتصر تداعيات هذه الإجراءات على إعادة تشكيل المعادلات الأمنية الإقليمية فحسب، بل تثير أيضًا تساؤلات قانونية عميقة من منظور القانون الدولي.

وفي هذا السياق، شهد الثالث من يناير من العام الميلادي الجاري تنفيذ عملية عسكرية أمريكية ضد فنزويلا تحت مسمى « العزم الكامل » أسفرت عن إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلی نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس، ونقلهما إلى الولايات المتحدة. وقد وجّهت السلطات الأمريكية إلى مادورو اتهامات تتعلق بالتورط في الاتجار الدولي بالمخدرات، وتصدير الكوكايين، وتخزين الأسلحة غير المشروعة، وحيازة مواد ضارة. وفي الخامس من يناير، أحضر مادورو أمام إحدى المحاكم الأمريكية.

ويُعد هذا الإجراء العسكري، الذي تضمّن اعتقال رئيس دولة ذات سيادة ونقله إلى دولة أخرى، سابقة خطيرة تثير إشكاليات قانونية جوهرية تتعلق بمبدأ سيادة الدول، وحظر استخدام القوة، ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، وحدود الاختصاص الجنائي الدولي. وانطلاقًا من ذلك، تسعى هذه الدراسة إلى بحث مدى المشروعية القانونية للعملية العسكرية الأمريكية ضد فنزويلا في ضوء قواعد القانون الدولي، وتحليل ردود فعل المجتمع الدولي، واستشراف الآثار المحتملة لهذه الخطوة على مستقبل السلم والأمن الدوليين.

خلفية التوتر في العلاقات بين الولايات المتحدة و فنزويلا

تعود جذور التدهور في العلاقات بين فنزويلا والولايات المتحدة إلى مرحلة التحولات السياسية التي شهدتها فنزويلا خلال فترة حكم الرئيس الراحل هوغو تشافيز. فقد تبنّى تشافيز سياسات اشتراكية مستندة إلى فكر «الثورة البوليفارية»، وعمل على تعزیز العلاقات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية مع كل من الصين وروسيا وإيران، متخذًا موقفًا صريحًا مناهضًا للنفوذ الأمريكي. وأسهمت هذه التوجهات في تصنيف فنزويلا، من منظور السياسة الخارجية الأمريكية، دولةً معارضة ومُشكِّلة لتحدٍ مباشر للمصالح الأمريكية في المنطقة.

وفي عام 2013، وبعد وفاة هوغو تشافيز، تولّى نيكولاس مادورو السلطة تنفيذًا لوصية سلفه. [i] لیواصل النهج السياسي نفسه على الصعيدين الداخلي والخارجي، بما في ذلك تبنّي خطاب معادٍ للولايات المتحدة، والحفاظ على الشراكات الاستراتيجية القائمة، واعتماد نموذج اقتصادي قائم على سيطرة الدولة. وردًا على هذه السياسات، فرضت الولايات المتحدة حزمة واسعة من العقوبات الاقتصادية والمالية على فنزويلا، شملت تجميد أصولها عبر المصارف الأمريكية وفرض قيود مشددة على صادرات النفط.

وقد ألقت هذه العقوبات بظلالها الثقيلة على الاقتصاد الفنزويلي؛ إذ تعرّض قطاع النفط، الذي يُعد المصدر الرئيس للإيرادات الوطنية، لأزمة حادة، وازداد النقص في السلع الأساسية، وتسببت الأوضاع الاقتصادية المتدهورة في هجرة نحو سبعة ملايين فنزويلي خارج البلاد. ويُصنَّف هذا الوضع، وفق تقارير المنظمات الإنسانية الدولية، بوصفه أحد أكبر أزمات الهجرة في العصر الحديث. [ii]

وفي عام 2025، شرعت الولايات المتحدة الأمريكية في مراقبة عدد من ناقلات النفط الفنزويلية، مدّعية تورطها في عمليات تهريب المخدرات. ويرى العديد من المحللين أن هذه الإجراءات لا تندرج ضمن إطار أمني بحت فحسب، بل ترتبط أيضًا بأهداف استراتيجية تتعلق بقطاع الطاقة. ففنزويلا تُعد من أغنى دول العالم من حيث احتياطات النفط، إذ تُقدَّر احتياطاتها المؤكدة بنحو 303 مليارات برميل، وهي كمية تتجاوز حتى الاحتياطات المؤكدة للمملكة العربية السعودية.

وبالنظر إلى هذه الأهمية الاستراتيجية، جرى تنفيذ عملية «العزم الكامل» بعد أشهر من التخطيط الدقيق، والاستعدادات الاستخباراتية، والتدريبات العسكرية المكثفة. وتشير بعض التقارير إلى أن هذه التدريبات شملت استخدام نماذج تحاكي مقر إقامة الرئيس مادورو. كما أفادت مصادر بأن الكونغرس الأمريكي لم يُحَط علمًا علی نحو كامل بتفاصيل العملية، الأمر الذي أثار جدلًا داخليًا حول حدود الصلاحيات بين السلطتين التنفيذية والتشريعية وفقًا للدستور الأمريكي. [iii]

ووفقًا للمعلومات المتداولة، نُفِّذت العملية ليلًا واستمرت قرابة ساعتين وعشرين دقيقة، بمشاركة منسّقة للقوات الجوية والبحرية والبرية. وتعكس هذه الدرجة العالية من التنسيق، إلى جانب استخدام تقنيات عسكرية متطورة، التفوق العسكري الأمريكي، إلا أنها في الوقت ذاته تفتح الباب أمام تساؤلات قانونیة جدية حول مشروعية هذا العمل من منظور القانون الدولي.

خرق القانون الدولي

تلتزم جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بأحكام ميثاقها، وهي ملزمة بالتصرف في سياساتها الخارجية والداخلية بما يتوافق مع مبادئ هذا الميثاق. ويُعدّ ميثاق الأمم المتحدة الوثيقة التأسيسية المنظمة للنظام القانوني الدولي المعاصر، إذ يقوم على جملة من المبادئ الجوهرية، في مقدمتها حظر استخدام القوة، واحترام سيادة الدول، والحفاظ على السلم والأمن الدوليين. ومع ذلك، تُظهر الممارسة العملية أن بعض الدول النافذة، بدافع تحقيق مصالحها الاستراتيجية والسياسية، تتجاوز هذه المبادئ الأساسية للقانون الدولي. ويُعدّ العمل العسكري الذي نفذته الولايات المتحدة الأميركية ضد فنزويلا مثالًا واضحًا على مثل هذه التجاوزات.

إن الهجوم الأميركي على فنزويلا يتعارض بصورة صريحة مع عدد من المبادئ الجوهرية للقانون الدولي، ويمكن إبراز أهم هذه المخالفات على النحو الآتي:

أولًا: خرق المادة (2) الفقرة (4) من ميثاق الأمم المتحدة: تنص الفقرة الرابعة من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة صراحةً على حظر لجوء الدول إلى التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة. ويُعدّ الهجوم العسكري الأميركي على فنزويلا، الذي تم من دون موافقة الدولة المعنية أو تلقي دعوة رسمية منها، نموذجًا واضحًا للاستخدام غير المشروع للقوة. [iv]

وعلى الرغم من أن الميثاق يقرّ باستثناءات محدودة على حظر استخدام القوة، فإن هذه الاستثناءات لا تُقبل إلا في حالتين حصريتين:

الأولى ممارسة حق الدفاع الشرعي عن النفس وفقًا للمادة (51) من الميثاق؛

والثانية صدور تفويض صريح من مجلس الأمن استنادًا إلى أحكام الفصل السابع من الميثاق. [v]

وحتى الآن، لم تُقدَّم أي أدلة موثوقة تُثبت أن فنزويلا قد شنت هجومًا مسلحًا على الولايات المتحدة أو كانت بصدد الإعداد لمثل هذا الهجوم، بما يتيح تفعيل مبدأ الدفاع الشرعي. كما أن مجلس الأمن الدولي لم يصدر أي قرار أو بيان يمنح مشروعية قانونية لاستخدام القوة ضد فنزويلا. وبناءً عليه، فإن هذا العمل العسكري يفتقر إلى أي سند قانوني دولي ويُعدّ انتهاكًا واضحًا لميثاق الأمم المتحدة.

ثانيًا: خرق مبدأ سيادة الدول وعدم التدخل في الشؤون الداخلية: يُعدّ مبدأ سيادة الدول ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية من القواعد الأساسية للقانون الدولي العرفي. ووفقًا لهذين المبدأين، تتمتع كل دولة بحق حصري في ممارسة سلطتها السياسية والقانونية والإدارية العليا داخل إقليمها. ومن هذا المنطلق، فإن دخول قوات أجنبية إلى أراضي دولة ما واعتقال أعلى مسؤول فيها يُشكّل مساسًا جسيمًا بسيادتها.

كما أن مسألة اختيار القيادة السياسية والنظام الحاكم وتعيين كبار المسؤولين تُعدّ من الشؤون الداخلية الخالصة لكل دولة. وعليه، فإن التدخل السياسي والقانوني الذي تمارسه دول أجنبية، ولا سيما الولايات المتحدة الأميركية، في مسألة شرعية رئيس فنزويلا يُعدّ انتهاكًا صريحًا لمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.

ثالثًا: جريمة العدوان: وفقًا للنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، فإن التخطيط أو الإعداد أو التنفيذ أو القيادة لعمل عسكري مسلح ضد سيادة دولة أخرى أو سلامتها الإقليمية أو استقلالها السياسي يُشكّل جريمة عدوان. [vi] وإذا ما جرى تقييم الهجوم العسكري الأميركي على فنزويلا في ضوء هذا التعريف، فإن هذا الفعل يتطابق مع الأركان القانونية لجريمة العدوان بكل ما تحمل الكلمة من معنى.

وعلى الرغم من أن ممارسة اختصاص المحكمة الجنائية الدولية تخضع لشروط قانونية محددة، فإن هذا النوع من الأفعال يُعدّ، من الناحية النظرية، سببًا لقيام المسؤولية الدولية بموجب قواعد القانون الدولي. ووفقًا لمبادئ المسؤولية الدولية للدول، فإن الدولة المنتهكة تلتزم بما يلي: الوقف الفوري للفعل غير المشروع، وتقديم ضمانات بعدم تكراره، وجبر الأضرار المترتبة عليه. وقد يتحقق جبر الضرر من خلال إعادة الحال إلى ما كان عليه، مثل الإفراج عن رئيس فنزويلا وإعادته إلى بلاده، أو من خلال التعويض عن الأضرار المادية، إضافةً إلى تقديم اعتذار رسمي عن الأضرار المعنوية.

وفضلًا عن ذلك، يحق لحكومة فنزويلا رفع دعوى أمام محكمة العدل الدولية (ICJ) بشأن الاعتقال غير المشروع للمسؤولين الحكوميين. كما أن الاتفاقيات الدولية ذات الصلة لعام 1973، إلى جانب قواعد القانون الدولي العرفي، تمنح كبار المسؤولين الحكوميين حصانة دولية. وبما أن رئيس فنزويلا يُعدّ أعلى ممثل للدولة، فإن اعتقاله ومحاكمته يُشكّلان خرقاً صريحًا لمبدأ الحصانة الدولية.

ردود أفعال الدول والمنظمات الدولية

في أعقاب الهجوم العسكري الذي شنّته الولايات المتحدة على فنزويلا واعتقال رئيسها نيكولاس مادورو، أبدت دول عديدة ومنظمات دولية ردود فعل متفاوتة. وتعكس هذه المواقف صورة واضحة للتحالفات القائمة في السياسة الدولية، والعلاقات الاستراتيجية، وتشابك المصالح. فقد اتسم موقف الاتحاد الأوروبي بالتفظ؛ إذ دعا إلى ضبط النفس وخفض مستوى العنف، وأكد ضرورة أن يتم انتقال السلطة في فنزويلا عبر وسائل سلمية وسياسية. [vii] ومع ذلك، أعرب الاتحاد الأوروبي عن شكوكه إزاء شرعية مادورو، وهو ما يعكس عن ازدواجية في موقفه مقارنة بمبدأ عدم التدخل المنصوص عليه في القانون الدولي.

في المقابل، وصفت روسيا هذا الإجراء بأنه عدوان مسلح واضح، وشدّدت على أن أي مبررات قانونية أو سياسية لتبرير استخدام القوة غير مقبولة. كما أدانت الصين الهجوم الأميركي على فنزويلا، وطالبت بالإفراج الفوري وغير المشروط عن مادورو، في موقف ينسجم مع مبدأي سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. من جانبها، اعتبرت إيران هذا العمل العسكري انتهاكًا سافرا لكافة المبادئ الأساسية للقانون الدولي، وعدّته اعتداءً مباشرًا على السيادة الوطنية لفنزويلا.

أما في أمريكا اللاتينية، فلم تكن ردود الفعل موحّدة؛ إذ رحّبت بعض دول المنطقة، مثل الأرجنتين، باعتقال مادورو واعتبرته فرصة سانحة لإحداث تغيير سياسي، في حين رأت دول أخرى أن هذا الإجراء يشكّل عاملًا مهددا لزعزعة الاستقرار الإقليمي. وتعكس هذه التباينات عمق الانقسامات السياسية والأيديولوجية بين دول أمريكا اللاتينية.

كما أبدت المنظمات الدولية ردود فعل لافتة تجاه هذا الهجوم؛ فقد أدان الأمين العام للأمم المتحدة هذا الإجراء ودعا إلى احترام القانون الدولي. وأكدت منظمة العفو الدولية في بيان لها أن هذا الهجوم يُعد، إلى حد كبير، انتهاكًا للقانون الدولي، ولا سيما لميثاق الأمم المتحدة. وأضافت المنظمة أن أي محاولة للسيطرة على الموارد الطبيعية لفنزويلا، ولا سيما النفط، أو التحکم في إدارتها، تتعارض مع المبادئ الدولية ومع مبدأ السيادة الدائمة للشعوب على مواردها الطبيعية. [viii]

وفي هذا السياق، تُعد إدانات المنظمات الدولية ذات أهمية من حيث تسليط الضوء العالمي، إلا أن هذه المنظمات تعاني من محدودية الصلاحيات التنفيذية. وبوجه خاص، تواجه منظمة الأمم المتحدة قيودًا في تأثيرها أمام القوى الكبرى بسبب تركيبة مجلس الأمن، إذ يتمتع الأعضاء الدائمون، ومن بينهم الولايات المتحدة، بحق النقض (الفيتو)، ما يتيح لهم تعطيل أي إجراء إدانة قد يُتخذ ضدهم.

وإلى جانب ردود الفعل الدولية، شهدت الولايات المتحدة نفسها انتقادات داخلية متزايدة لهذا العمل العسكري. فقد وصف عمدة مدينة نيويورك، زهران ممداني، هذه العملية بأنها مخالفة للقانون الدولي وانتهاكًا للسيادة الوطنية لفنزويلا. كما عبّر السيناتور الأميركي عن ولاية فيرمونت، بيرني ساندرز، عن موقف حازم قال فيه:

«أظهر دونالد ترامب مرة أخرى استخفافه بالدستور وبسيادة القانون. لا يملك رئيس الولايات المتحدة الحق في إدخال البلاد في حرب من جانب واحد، حتى وإن تعلّق الأمر بمادورو. وليس للولايات المتحدة أي حق في إدارة فنزويلا. ينبغي للكونغرس أن يفصل في صلاحيات الحرب لوضع حد لمثل هذه العمليات غير القانونية».[ix]

وتُظهر هذه المعارضة الداخلية أن المشروعية القانونية والدستورية لهذا العمل العسكري محل تشكيك حتى داخل الولايات المتحدة نفسها. كما يتيح مبدأ حرية التعبير في الولايات المتحدة للمسؤولين الحكوميين والمواطنين العاديين التعبير بحرية عن آرائهم بشأن القرارات الكبرى للسياسة الخارجية، وهو ما يُعد إحدى السمات الجوهرية للنظام الديمقراطي الأمريكي.

 

 

استشراف الآثار على النظام الدولي

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، شهد المجتمع الدولي ما يقرب من ثمانية عقود من الاستقرار النسبي دون اندلاع حرب عالمية ثالثة. وقد ارتبط هذا الاستقرار إلى حد كبير بنشوء نظام دولي قائم على القانون الدولي، وميثاق الأمم المتحدة، ومبدأ تقييد استخدام القوة. تاريخيًا، كانت الفترة الفاصلة بين الحربين العالميتين الأولى والثانية قصيرة، في حين أسهم إنشاء المؤسسات الدولية بعد عام 1945 في الحد من نشوب مواجهة مباشرة بين القوى الكبرى.

ويُعدّ العمل العسكري الأميركي ضد فنزويلا تحديًا جوهريا للنظام الدولي القائم على القواعد والمعاهدات. فهو يبعث برسالة مفادها أن القوى الكبرى تستطيع تغيير الحكومات المناوئة بالقوة، واعتقال قادتها، ومتابعة أهدافها السياسية استنادا إلى التفوق العسكري. وإذا مرّ هذا السلوك دون مساءلة أو ردود فعل حازمة من المجتمع الدولي، فستكون لذلك آثار بعيدة المدى على مستقبل النظام العالمي. إذ ستقوم المنافسة بين الدول على أساس القوة العسكرية والقدرات الاستراتيجية والتحالفات، بدلًا من المبادئ القانونية. وفي هذه الحالة، ستتآكل سيادة القانون بصورة تدريجية، ويتحوّل النظام الدولي من نظام قائم على القواعد إلى نظام قائم على القوة.  ويُعد هذا التحول بالغ الخطورة على وجه الخصوص بالنسبة للدول الصغيرة والضعيفة، التي ستفتقر إلى وسائل فعالة للدفاع عن نفسها في مواجهة ضغوط وتدخلات القوى الكبرى.

وفضلًا عن ذلك، فإن صمت المؤسسات الدولية والدول المستقلة والرأي العام العالمي إزاء مثل هذه الأفعال سيزيد من امكانية تكرار عمليات عسكرية مماثلة. ولا يقتصر أثر هذا الصمت على إضعاف شرعية القانون الدولي فحسب، بل يسهم أيضًا الاعتقاد بأن القواعد الدولية تُطبّق على الضعفاء دون الأقوياء. ومن ثمّ، فإن ما جرى في فنزويلا لا يُعد مسألة داخلية أو إقليمية فحسب، بل يمثل اختبارًا مفصليا لاستمرارية النظام الدولي ومصداقيته وثقة العالم به في القرن الحادي والعشرين. وستبيّن نتائج هذا الاختبار ما إذا كان النظام الدولي لا يزال قائمًا على القواعد والحقوق والمسؤوليات المشتركة، أم أنه يتجه تدريجيًا نحو نظام يرتكز على القوة والتهديد والمنافسة.

الخاتمة

إن الهجوم العسكري الذي شنّته الولايات المتحدة على فنزويلا، والاعتقال غير المشروع لرئيسها نيكولاس مادورو وزوجته، يُعدّان، من منظور القانون الدولي، انتهاكًا جسيما للأحكام الأساسية لميثاق الأمم المتحدة. ويُنظر إلى هذا الإجراء بوصفه خرقًا متعددة الأبعاد لمبدأ سيادة الدول، ومبدأ عدم استخدام القوة، ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، فضلًا عن تعارضه للقواعد الجوهرية للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني. ووفقًا للأطر القانونية المعمول بها، لا توجد أي استثناءات قانونية ذات وجاهة من شأنها إضفاء الشرعية أو تبرير هذا العمل العسكري.

وبالاستناد إلى مبادئ المسؤولية الدولية للدول، تتحمّل الولايات المتحدة مسؤولية قانونية كاملة عن تعويض الأضرار المادية والمعنوية التي نجمت عن هذا الهجوم. وتتحقق هذه المسؤولية من خلال الوقف الفوري للفعل غير المشروع، وتقديم ضمانات بعدم تكراره، وجبر الضرر الناتج عنه. وإذا ما تُركت مثل هذه الأفعال دون مساءلة أو تم التساهل في المستقبل، فإن النظام الدولي القائم على قواعد القانون الدولي سيكون عرضة لضرر جسيم، وقد ينزلق العالم تدريجيًا نحو حالة من الفوضى وعدم الاستقرار. وفي مثل هذا السياق، ستتجه الدول إلى تعزيز قدراتها العسكرية بدلًا من ترسيخ سيادة القانون، الأمر الذي من شأنه تكريس عسكرة التنافس في العلاقات الدولية وإضعاف شرعية القانون الدولي.

ويرى عدد من المحللين السياسيين والقانونيين أن هذا التحرك الأميركي لا يقتصر على أبعاد أمنية فحسب، بل يرتبط أيضًا بأهداف استراتيجية في مجال الطاقة وحسابات سياسيةو أيديولوجية. ويُعدّ السعي للسيطرة على الاحتياطيات النفطية الضخمة لفنزويلا، وإضعاف النظام الاشتراكي القائم فيها، من بين الأهداف المرجحة للسياسة الخارجية الأميركية.

التوصيات

  1. يتعيّن على منظمة الأمم المتحدة، ولا سيما مجلس الأمن، اتخاذ موقف واضح و حازم وعملي إزاء محاولات تغيير الأنظمة بالقوة، والاعتداء على القادة السياسيين للدول، وحالات الاحتجاز التعسفي، وتفعيل آليات الملزمة فعّالة للمساءلة بحق منتهكي القانون الدولي.
  2. ينبغي على المجتمع الدولي تعزيز الاعتماد على المسارات السياسية والقانونية والدبلوماسية في تسوية النزاعات الدولية، ودعم الحوار والوساطة والحلول السلمية بدلًا من التدخلات العسكرية، لما تطوي عليه الأخيرة من تهديد لتماسك النظام الدولي وزيادة مستويات عدم الاستقرار العالمي.
  3. على الدول المستقلة العمل على تعزيز التعاونين الإقليمي والدولي من أجل حماية مصالحها الوطنية ومواردها الطبيعية واستقلالها السياسي، بما يحد من تعرضها للضغوط الأحادية والتدخلات غير المشروعة التي تمارسها القوى الكبرى.
  4. يُستحسن أن تكثّف المؤسسات الأكاديمية والقانونية أبحاثها حول تداعيات استخدام القوة في العلاقات الدولية، وأن تقدّم رؤى وتوصيات عملية تعزز سيادة القانون الدولي، ومبدأ المساواة بين الدول، واستقرار النظام الدولي.

المصادر

[i]  هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) – قسم البشتو، اختتام الجلسة الأولى للمحكمة؛ مادورو وزوجته ينفيان جميع التهم – بي بي سي نيوز بشتو، رابط:

[ii] سيد علي شاه علوي‌نجاد، صحيفة اطلاعات روز، الأسباب الرئيسية للهجوم الأميركي على فنزويلا: تحليل في القانون الدولي وتداعياته على النظام العالمي – اطلاعات روز، رابط:

[iii]  بي بي سي – قسم البشتو، كيف اعتقلت الولايات المتحدة مادورو؟ «جواسيس أميركيون كانوا يراقبونه منذ أشهر» – بي بي سي نيوز بشتو، رابط:

[iv]  ميثاق الأمم المتحدة.

[v]  ميثاق الأمم المتحدة.

[vi]  النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

[vii]  الهجوم الأميركي على فنزويلا؛ دول عديدة أبدت ردود فعل: دويتشه فيله (DW)، الهجوم الأميركي على فنزويلا؛ دول عديدة أبدت ردود فعل – DW – 13/10/1404، رابط:

[viii]  أعربت منظمة العفو الدولية عن قلقها إزاء انتهاكات حقوق الإنسان في أعقاب التدخل العسكري الأميركي في فنزويلا، أعربت منظمة العفو الدولية عن قلقها إزاء انتهاكات حقوق الإنسان في أعقاب التدخل العسكري الأميركي في فنزويلا – إذاعة فرنسا الدولية (RFI) رابط:

[ix] بيرني ساندرز: الهجوم الأميركي على فنزويلا إمبريالية صريحة وانتهاك واضح للقانون الدولي، صحيفة دانشجو، بيرني ساندرز: الهجوم الأميركي على فنزويلا إمبريالية صريحة وانتهاك واضح للقانون الدولي، رابط:

 

قراءة تحليلية في الهجوم العسكري الأمريكي على فنزويلا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تمرير للأعلى