تحرير: مركز الدراسات الاستراتیجية والإقلیمیة
ملاحظة: انقر هنا للحصول على ملف PDF لهذا التحليل.
___________________________________________________________________
ستقرؤون في هذه النشرة:
- نظرة على الاتفاق الأمني بين روسيا وإمارة أفغانستان الإسلامية
- ارتقاء العلاقات الروسية مع إمارة أفغانستان الإسلامية إلى مستوى التفاعل الاستراتيجي
- دور إمارة أفغانستان الإسلامية في تغيير النظرة الروسية تجاه أفغانستان
- مزايا توقيع الاتفاقية العسكرية–الفنية مع روسيا بالنسبة إلى إمارة أفغانستان الإسلامية
- مزايا هذه الاتفاقية بالنسبة إلى روسيا
- تأثير هذه الاتفاقية على دول آسيا الوسطى
- ردود الفعل المحتملة للدول الغربية، ولا سيما الولايات المتحدة، تجاه هذه الاتفاقية
- الخاتمة
- التوصيات
- المصادر
___________________________________________________________________
مقدمة
أُبرِمت مؤخراً اتفاقية بين روسيا وإمارة أفغانستان الإسلامية في مجال التعاون العسكري–الفني. وعلى الرغم من أن التفاصيل الكاملة لهذه الاتفاقية لم تُنشر بعد، فإن التصريحات الصادرة عن مسؤولي الطرفين تشير إلى أن محاورها الرئيسة تشمل صيانة وإعادة تأهيل المعدات العسكرية الروسية الصنع الموجودة في أفغانستان، وتعزيز البنية التحتية العسكرية، وتطوير أوجه التعاون الفني في المجال الدفاعي. [i]
وفي النظرة الأولى، قد يبدو هذا الاتفاق مجرد تعاون فني وعسكري محدود، غير أن التدقيق في أبعاده يكشف أن أهميته تتجاوز بكثير الجوانب الفنية والتسليحية البحتة. كما أن أهمية هذا التطور لا تقتصر على العلاقات الثنائية بين الطرفين، إذ يمكن أن ينعكس على القدرات العسكرية لإمارة أفغانستان الإسلامية، وعلى المكانة الإقليمية لأفغانستان، وعلى الحسابات الأمنية لدول آسيا الوسطى، بل وحتى على التنافس الجيوسياسي بين روسيا والغرب.
ويثير هذا الاتفاق كذلك تساؤلات حول العوامل التي دفعت إلى تغيّر النظرة الروسية تجاه إمارة أفغانستان الإسلامية، والأسباب التي تجعل موسكو اليوم مستعدة للتعاون مع حكومة كابول في مجال بالغ الحساسية كالأمن والدفاع.
وانطلاقاً من ذلك، تسعى هذه الدراسة إلى تحليل الاتفاقية الأخيرة في إطار أربعة محاور رئيسة: عوامل التحول في النظرة الروسية إلى إمارة أفغانستان الإسلامية، وتداعيات الاتفاق بالنسبة لحكومة كابول، ومصالح روسيا وأهدافها من توسيع التعاون مع الإمارة، فضلاً عن الآثار الإقليمية والدولية لهذا التطور.
وتتمثل الفرضية الرئيسة للدراسة في أن الاتفاقية العسكرية–الفنية الأخيرة لا تُعد مجرد تعاون فني، بل تمثل مؤشراً على الارتقاء التدريجي بالعلاقات بين روسيا وإمارة أفغانستان الإسلامية إلى مستوى أكثر استراتيجية، كما تعكس التحولات الجيوسياسية التي شهدتها المنطقة بعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان.
ارتقاء العلاقات الروسية مع إمارة أفغانستان الإسلامية إلى مستوى التفاعل الاستراتيجي
في نظريات العلاقات الدولية، يمكن التمييز بين مستويات متعددة من التعاون بين الدول، تمتد من العلاقات الاقتصادية والتجارية إلى أشكال التعاون السياسي والأمني والدفاعي. ويكمن الفارق الرئيس بين هذه المستويات في حجم الالتزام المتبادل، وحساسية المعلومات المتبادلة، ومستوى الثقة المتوافرة بين الأطراف.
فعلى الرغم من أهمية التعاون الاقتصادي، فإنه لا يستلزم عادة الكشف عن معلومات حيوية أو التنازل عن جزء من الاعتبارات الأمنية للدولة، في حين يرتبط التعاون العسكري أو الأمني بصورة مباشرة بالسيادة والأمن القومي والبقاء السياسي للدول. ولهذا السبب، نادراً ما تنخرط الدول في مثل هذه الأنماط من التعاون مع أطراف لا تمتلك ثقة كافية باستقرارها واستمراريتها وموثوقيتها.
ومن هذا المنظور، فإن دخول روسيا وإمارة أفغانستان الإسلامية في مجال التعاون العسكري يتجاوز إطار العلاقة الفنية أو البراغماتية أو المؤقتة. ويشير هذا النوع من التعاون إلى أن موسكو باتت تنظر إلى الإمارة باعتبارها فاعلاً مؤثراً وجديراً بالثقة في المعادلات الأمنية الإقليمية، ولم تعد تراها تهديداً لأمنها أو لبيئتها الأمنية، بل أصبحت تعدّها شريكاً يمكن الاعتماد عليه.
وفي الواقع، كلما ازداد مستوى التعاون في السياسة الدولية عمقاً وحساسية، دلّ ذلك على ارتفاع مستوى الثقة المتبادلة ووجود مصالح مشتركة بعيدة المدى بين الأطراف المعنية، وهو ما يمكن ملاحظته بوضوح في مسار التفاعل الروسي مع إمارة أفغانستان الإسلامية.
ومع ذلك، يظل من المشروع طرح التساؤل الآتي: لماذا أقدمت روسيا على هذا التحول الكبير في سياستها الخارجية تجاه إمارة أفغانستان الإسلامية خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً، لا تتجاوز العامين أو الأعوام الثلاثة الماضية؟ وبعبارة أخرى، ما العوامل التي جعلت الإمارة تنتقل، في نظر موسكو، من كونها تهديداً محتملاً إلى شريك يمكن الوثوق به؟
إن هذا التحول في الرؤية الروسية يعود إلى مجموعة من العوامل، ويُعدّ سلوك إمارة أفغانستان الإسلامية ونهجها تجاه روسيا وبيئتها الإقليمية من أبرز هذه العوامل وأكثرها تأثيراً.
دور إمارة أفغانستان الإسلامية في تغيير النظرة الروسية تجاه أفغانستان
أكثر من أي عامل آخر، يمكن القول إن تنامي النظرة الإيجابية الروسية تجاه إمارة أفغانستان الإسلامية كان، إلى حد كبير، نتاجاً للسلوك المدروس والحذر والموجَّه نحو خفض التوتر الذي انتهجته الإمارة بعد عودتها إلى السلطة في تعاملها مع روسيا وبيئتها الإقليمية المحيطة. فبعد عام 2021، واجهت روسيا سؤالاً جوهرياً يتمثل في: هل ستتحول إمارة أفغانستان الإسلامية إلى مصدر لتصدير عدم الاستقرار والتطرف إلى دول آسيا الوسطى، أم أنها قادرة على أداء دور قوة حافظة للاستقرار؟ وقد أسهم الأداء العملي للإمارة خلال السنوات الماضية بدرجة كبيرة في تشكيل الإجابة الروسية عن هذا السؤال.
أولاً، وعلى خلاف كثير من المخاوف الأولية، امتنعت إمارة أفغانستان الإسلامية عن تبني سياسة تصدير الثورة أو تحفيز الحركات الإسلامية في الدول المجاورة مثل أوزبكستان وطاجيكستان وتركمانستان، كما لم تبذل أي محاولة لتقديم نفسها بوصفها قائدة للحركات الإسلامية في المنطقة. وبالنسبة لروسيا، التي تنظر إلى أمن آسيا الوسطى بوصفه جزءاً لا يتجزأ من أمنها القومي، فإن هذا الامتناع عن التدخل العابر للحدود اكتسب أهمية استراتيجية بالغة.
ثانياً، انتهجت الإمارة بعد وصولها إلى السلطة مقاربة تتمحور حول الدولة، وسعت إلى إقامة تفاعلات رسمية مع حكومات المنطقة. وقد اعتُبر هذا التوجه، بالنسبة للكرملين، مؤشراً على انتقال الإمارة من كونها «حركة تمرد» إلى فاعل يمارس وظائف الحكم.
ثالثاً، على الصعيد الأمني، أظهرت الإمارة أنها تنظر إلى تنظيم داعش – خراسان باعتباره تهديداً جدياً لها، ودخلت عملياً في مواجهة معه. ومن منظور موسكو، يُعد تنظيم داعش التهديد الأبرز الذي ينطلق من الأراضي الأفغانية، وكلما ازدادت جهود الإمارة في مكافحة هذا التنظيم، ازدادت أهميتها باعتبارها جزءاً من الحل الروسي لمواجهة خصم يُنظر إليه بوصفه خطراً بالغاً.
رابعاً، كان بإمكان الإمارة استحضار إرث الاحتلال السوفيتي لأفغانستان وإثارة التوترات التاريخية مع روسيا، إلا أنها تجنبت هذا المسار عملياً من خلال التمييز بين روسيا المعاصرة والاتحاد السوفيتي السابق، وفضّلت إعطاء الأولوية للتعاون البراغماتي بدلاً من المواجهة الأيديولوجية.
خامساً، أسهمت الجهود الجادة والفعالة التي بذلتها الإمارة في مكافحة زراعة المخدرات والاتجار بها في تعزيز النظرة الإيجابية الروسية تجاهها.
سادساً، وربما الأهم من ذلك، أن الإمارة أظهرت في تعاملها مع روسيا ودول آسيا الوسطى سلوكاً مستقراً وقابلاً للتنبؤ نسبياً. ففي العلاقات الدولية، غالباً ما تُعطي القوى الكبرى قيمة للتنبؤ بالسلوك تفوق أحياناً قيمة الانسجام الأيديولوجي، لأنه يتيح لها التخطيط بعيد المدى. وقد عانت روسيا خلال العقود الماضية من حالة الشك والغموض الاستراتيجي تجاه الإمارة بسبب صعوبة التنبؤ بسلوكها، إلا أن نمط السلوك المستقر الذي أظهرته الإمارة بعد عام 2021 أسهم في تبديد جانب كبير من هذه المخاوف.
وعليه، يمكن القول بأن التقارب الروسي مع إمارة أفغانستان الإسلامية لم يكن مجرد انعكاس للاحتياجات الجيوسياسية الروسية، بل إن جانباً مهماً منه جاء نتيجة للنهج المدروس الذي تبنته الإمارة نفسها، والذي سعى إلى طمأنة موسكو بأن أفغانستان، في ظل حكمها، لن تتحول إلى مصدر لتصدير عدم الاستقرار أو التطرف أو التدخل في شؤون الدول المجاورة. وإذا كانت روسيا تنظر اليوم إلى الإمارة باعتبارها شريكاً محتملاً في المجالين العسكري والأمني، فإن ذلك لا يعكس فقط تغير الحسابات الاستراتيجية للكرملين، بل هو أيضاً حصيلة سنوات من السلوك الحذر والبراغماتي والهادف إلى خفض التوتر في تعامل الإمارة مع روسيا وآسيا الوسطى.
مزايا توقيع الاتفاقية العسكرية–الفنية مع روسيا بالنسبة إلى إمارة أفغانستان الإسلامية
يمكن تقييم مزايا وفوائد الاتفاقية الأمنية مع روسيا بالنسبة إلى إمارة أفغانستان الإسلامية على مستويات متعددة تشمل الجوانب العسكرية والأمنية والسياسية والجيوسياسية.
فعلى الصعيد العسكري، تتيح هذه الاتفاقية إعادة تأهيل جزء كبير من المعدات والأسلحة السوفيتية والروسية الموجودة في أفغانستان، والتي خرجت خلال السنوات الماضية من الخدمة التشغيلية نتيجة التقادم ونقص قطع الغيار وغياب الدعم الفني. كما يمكن للتعاون مع روسيا أن يسهم في إحياء هذه القدرات، فضلاً عن توفير قطع الغيار والمعدات الجديدة بتكاليف أقل وإمكانية وصول أسهل.
إضافة إلى ذلك، تكتسب الإمارة فرصة الاستفادة من الخبرات الفنية والتدريبية الروسية، من خلال إرسال ضباطها وعناصرها إلى المؤسسات التعليمية والتدريبية الروسية، بما يسهم في تطوير قدراتها العسكرية والاستخباراتية والفنية.
وفي المجال العسكري–الأمني، يمكن للتعاون الوثيق مع موسكو أن يعزز قدرة الإمارة على مواجهة بعض الدول المعادية والتهديدات المتمثلة في تنظيم داعش – خراسان وغيره من الجماعات المسلحة العابرة للحدود، وذلك من خلال الاستفادة من المعدات الروسية المتطورة، والمعلومات الأمنية، والخبرات المتراكمة لدى روسيا في مجال مكافحة الإرهاب، بما يؤدي إلى تعزيز القدرات الرقابية ومكافحة التهديدات الأمنية.
وفي هذا السياق، صرّح الملا محمد يعقوب مجاهد، وزير الدفاع في إمارة أفغانستان الإسلامية، عقب عودته من موسكو، بأن الإمارة تسعى إلى الوصول إلى مرحلة لا تجرؤ فيها باكستان مستقبلاً على شن هجمات ضد أفغانستان. كما نقلت هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) عن مصدر أن روسيا وافقت على تزويد الإمارة بمعدات دفاع جوي. [ii]
وإلى جانب البعد العسكري–الأمني، يُعد هذا الاتفاق، من الناحية السياسية، خطوة مهمة في اتجاه تقليص العزلة الدولية التي تواجهها الإمارة، لأن التعاون الأمني مع قوة كبرى يبعث برسالة مفادها أن إمارة أفغانستان الإسلامية بدأت تُقبل تدريجياً بوصفها فاعلاً مؤثراً وطرفاً يمكن التعامل معه في المعادلات الإقليمية.
أما على المستوى الجيوسياسي، فإن هذا التعاون يمكن أن يزيد من هامش المناورة المتاح للإمارة ويحدّ من اعتمادها على بعض الفاعلين الإقليميين. كما أن التقارب مع روسيا قد يوفر للإمارة نوعاً من الردع السياسي، ويوجه رسالة إلى دول المنطقة مفادها أن أفغانستان لم تعد دولة معزولة أو فاقدة للدعم الخارجي.
وفي المحصلة، يساعد هذا الاتفاق إمارة أفغانستان الإسلامية على إعادة تشكيل صورتها، من «حركة تمرد» سابقة إلى حكومة مسؤولة وشريك أمني إقليمي، وهو ما قد يمهد الطريق أمام توسيع نطاق التعاون الاقتصادي والسياسي والأمني مع روسيا وغيرها من القوى الإقليمية في المستقبل.
مزايا هذه الاتفاقية بالنسبة إلى روسيا
تسعى روسيا من خلال التفاعل الوثيق والاستراتيجي مع إمارة أفغانستان الإسلامية إلى تحقيق أربعة مكاسب رئيسة:
أولاً، احتواء التهديدات الأمنية في آسيا الوسطى؛ إذ تشعر موسكو بالقلق من احتمال امتداد نشاط الجماعات المسلحة المزعزعة للاستقرار من أفغانستان إلى طاجيكستان وأوزبكستان وتركمانستان، وترى أن التعاون مع السلطة الحاكمة في كابول أقل كلفة وأكثر فاعلية من الدخول في مواجهة معها.
ثانياً، الحيلولة دون عودة النفوذ الغربي؛ فروسيا تنظر إلى أفغانستان بوصفها جزءاً من محيطها الأمني المباشر، ولا تبدي رغبة في عودة الحضور السياسي أو الاستخباراتي أو العسكري الغربي إلى هذا البلد.
ثالثاً، المنافسة الجيوسياسية مع الولايات المتحدة؛ إذ يحرص الكرملين، من خلال المحافظة على علاقات وثيقة مع إمارة أفغانستان الإسلامية، على توجيه رسالة مفادها أنه ما يزال قادراً على بناء النفوذ في مناطق كانت تُعد سابقاً ضمن دائرة التأثير الأميركي.
رابعاً، الفرص الاقتصادية؛ فأفغانستان، بما تمتلكه من موارد معدنية كبيرة وموقع ترانزيتي يربط آسيا الوسطى بجنوب آسيا، يمكن أن تصبح مستقبلاً جزءاً من الممرات التجارية الإقليمية، الأمر الذي يفتح آفاقاً اقتصادية واعدة أمام روسيا.
خامساً، أن روسيا منشغلة منذ عدة سنوات بالحرب في أوكرانيا، ومن ثم فإن إعادة بناء العلاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية في مناطق ذات أهمية استراتيجية مثل أفغانستان قد تسهم في تخفيف جزء من الضغوط الناجمة عن الحرب في أوكرانيا، وتوفر لموسكو مجالات إضافية لتعزيز حضورها ونفوذها الخارجي.
وأخيراً، فإن نقطة الالتقاء بين الطرفين تتجاوز المصالح المادية المباشرة لتشمل موقفاً مشتركاً إزاء النظام الدولي الذي يقوده الغرب. فروسيا تسعى إلى إقامة نظام دولي متعدد الأقطاب تكون فيه الهيمنة الغربية أكثر محدودية، في حين تبدي إمارة أفغانستان الإسلامية بدورها استياءً من البنية الدولية الراهنة التي تضعها تحت ضغوط سياسية واقتصادية مستمرة. وبناءً على ذلك، فإن التقارب الروسي مع الإمارة يمكن، على الأقل في هذا الجزء من العالم، أن يشكل تحدياً للنظام المتمحور حول الغرب، وأن يسهم في الحد من آثاره التي ينظر إليها الطرفان باعتبارها سلبية أو مضرّة بمصالحهما.
تأثير هذه الاتفاقية على دول آسيا الوسطى
يمكن النظر إلى اتفاقية التعاون العسكري بين روسيا وطالبان بوصفها أكثر من مجرد تعاون ثنائي، إذ تمثل محاولة لربط أفغانستان بالترتيبات الأمنية المدعومة من موسكو في آسيا الوسطى. فعلى مدى العقود الثلاثة الماضية، كانت روسيا واحدة من أبرز الفاعلين الأمنيين في هذه المنطقة، حيث اضطلعت بدور مهم في إدارة التهديدات العابرة للحدود من خلال حضورها العسكري وتعاونها الاستخباراتي وعلاقاتها الوثيقة مع حكومات آسيا الوسطى.
ومع ذلك، ظلت أفغانستان، على الدوام، حلقة تقع خارج هذا الإطار الأمني، الأمر الذي كان يثير مخاوف دول المنطقة، ولا سيما طاجيكستان وأوزبكستان وتركمانستان. ويبعث الاتفاق الأخير برسالة مفادها أن موسكو لم تعد تكتفي بحماية الحدود الجنوبية لآسيا الوسطى، بل تسعى إلى إدارة التهديدات من مصادرها الأصلية عبر التعاون المباشر مع السلطة الحاكمة في كابول.
ومن المنظور الروسي، يمكن لطالبان أن يشكلوا خط الدفاع الأول في مواجهة تهديدات مثل تنظيم داعش – خراسان، والاتجار العابر للحدود، ومظاهر عدم الاستقرار الأمني، وهو توجه من شأنه أن يخفف كذلك من الأعباء والتكاليف الأمنية التي تتحملها موسكو.
أما بالنسبة لدول آسيا الوسطى، فقد يمنح هذا التعاون قدراً من الطمأنينة، لأنه يشير إلى أن التهديدات المنطلقة من أفغانستان تتجه نحو أن تصبح أكثر قابلية للإدارة والاحتواء، وأن قنوات رسمية للتعاون بين كابول وموسكو بدأت تتشكل لمعالجة هذه التحديات.
وفي الوقت نفسه، يسهم هذا الاتفاق في إعادة تعريف موقع إمارة أفغانستان الإسلامية ضمن البيئة الإقليمية؛ فالجماعة التي كانت تُصوَّر سابقاً بوصفها عاملاً من عوامل زعزعة الاستقرار، بدأت تُطرح تدريجياً كشريك أمني محتمل في الترتيبات الإقليمية.
ورغم أن الحديث عن نشوء نظام أمني جديد في جنوب أوراسيا لا يزال سابقاً لأوانه، فإن هذه الاتفاقية قد تمثل الخطوة الأولى نحو تقارب أكبر بين أفغانستان والترتيبات الأمنية الإقليمية، وإلى تخفيف الهواجس المزمنة التي لطالما راودت دول آسيا الوسطى بشأن التطورات الجارية جنوب حدودها.
وفي منظور أشمل، يمكن أن يسهم التقارب بين روسيا وأفغانستان في تهيئة الظروف لتشكيل ترتيبات عسكرية وأمنية أوسع نطاقاً داخل المنظومة الأمنية لآسيا الوسطى الكبرى، بما يشمل إيران أيضاً. ويستند هذا الاحتمال إلى حقيقة أن روسيا وإيران تتمتعان بدرجة عالية من التقارب في العديد من الملفات الإقليمية، وأن تلاقي مصالح هاتين القوتين على محور أفغانستان–آسيا الوسطى قد يعزز فرص تطور مثل هذه الترتيبات الأمنية مستقبلاً.
ردود الفعل المحتملة للدول الغربية، ولا سيما الولايات المتحدة، تجاه هذه الاتفاقية
من المرجح أن يؤدي تنامي العلاقات بين روسيا وإمارة أفغانستان الإسلامية ووصولها إلى مستوى التعاون العسكري إلى إثارة ردود فعل غير مباشرة، لكنها ذات دلالة واضحة، من جانب واشنطن وحلفائها. ففي المجال السياسي، يُتوقع أن تكثف الولايات المتحدة جهودها الرامية إلى منع الاعتراف الدولي بإمارة أفغانستان الإسلامية داخل المحافل والمنظمات الدولية، وذلك للحيلولة دون اكتساب حكومة كابول مزيداً من الشرعية السياسية ضمن الفضاء الذي يتنامى فيه النفوذ الروسي.
أما في المجال الاقتصادي، فمن المرجح أن تستمر العقوبات المالية والمصرفية كأداة للحد من اندماج أفغانستان الكامل في المنظومة الاقتصادية المرتبطة بروسيا أو المتأثرة بها.
غير أن الميدان الأكثر أهمية في إطار هذا التنافس يبقى المجال الأمني، حيث تؤدي الجهات الفاعلة غير المباشرة دوراً محورياً. وفي هذا السياق، يمكن لاستمرار نشاط تنظيم داعش – خراسان، الذي يُعد تهديداً مشتركاً لكل من إمارة أفغانستان الإسلامية وروسيا، أن يشكل عاملاً يُستغل لإضعاف سلطة كابول وإعاقة تطور التعاون الاستراتيجي بينها وبين موسكو.
كما أن الجماعات المعارضة للإمارة، رغم افتقارها في الوقت الراهن إلى مستوى كافٍ من التماسك والقدرات العسكرية، قد تستعيد جزءاً من نشاطها في حال تصاعد حدة المنافسات الجيوسياسية بين القوى الكبرى.
ومن جهة أخرى، فإن فاعلين إقليميين مثل باكستان، بما يمتلكونه من أدوات تأثير داخل أفغانستان، قد يؤدون دوراً مهماً في إعادة تشكيل توازنات القوة الجديدة.
ومع ذلك، يبدو من المستبعد عودة نمط الحروب بالوكالة الواسعة النطاق الذي ميّز مرحلة الحرب الباردة. والأقرب إلى الواقع هو ظهور شكل من أشكال التنافس الأمني المحدود وغير المباشر، تتحول فيه بؤر عدم الاستقرار المتبقية داخل أفغانستان إلى ساحات تُستخدم لممارسة الضغوط والتأثير في موازين القوى الإقليمية والدولية. [iii]
الخاتمة
في المجمل، لا يمكن النظر إلى الاتفاقية العسكرية–الفنية بين روسيا وإمارة أفغانستان الإسلامية باعتبارها مجرد عقد فني يهدف إلى إصلاح المعدات العسكرية، بل ينبغي تقييمها بوصفها مؤشراً على التحول التدريجي في العلاقات بين كابول وموسكو واتجاهها نحو مستويات أكثر استراتيجية من التعاون.
ويتمثل أبرز مكاسب هذه الاتفاقية بالنسبة إلى إمارة أفغانستان الإسلامية في تعزيز القدرات العسكرية والأمنية لأفغانستان. فإعادة تأهيل المعدات الروسية المتقادمة، وتسهيل الوصول إلى قطع الغيار والتقنيات العسكرية، والاستفادة من الخبرات والتدريبات العسكرية الروسية، واحتمال توسيع مجالات التعاون الدفاعي مستقبلاً، كلها عوامل من شأنها أن تسهم تدريجياً في رفع الكفاءة القتالية والعملياتية لقوات الإمارة.
وفي حال استمرار هذا المسار، فإن أفغانستان لن تبتعد فقط عن الاعتماد على المعدات المتبقية من مرحلة الوجود الغربي، بل قد تصل إلى مستوى من القدرات العسكرية والأمنية يمكّنها من إدارة التهديدات الداخلية والعابرة للحدود بدرجة أكبر من الاعتماد على الذات.
كما يمكن لهذا التطور أن يخلق شكلاً من أشكال الردع السياسي والأمني تجاه الأطراف المعادية، وأن يعزز مكانة أفغانستان ضمن المعادلات الإقليمية.
وفي المقابل، تمثل هذه الشراكة بالنسبة إلى روسيا أداة لإدارة التهديدات الأمنية في جنوب آسيا الوسطى والحفاظ على نفوذها في إحدى أهم المناطق المحيطة بها من الناحية الاستراتيجية.
ومع ذلك، فإن العلاقة بين الطرفين تقوم، بدرجة أكبر، على المصالح المشتركة أكثر مما تقوم على التوافق الأيديولوجي، كما أن استمرارها سيظل مرتبطاً باستمرار هذه المصالح وتقاطعها.
ومن ثم، فإن المستقبل وحده سيُظهر ما إذا كان هذا التعاون سيسهم في قيام أفغانستان أكثر استقراراً وأكثر فاعلية في أداء دور أمني إقليمي، أم أنه سيواجه، في نهاية المطاف، قيوداً وتحديات جديدة ناجمة عن المنافسات الجيوسياسية بين القوى الكبرى.
التوصيات
استناداً إلى النتائج التي توصل إليها هذا التحليل، يمكن تقديم التوصيات الآتية:
على الرغم من أن التعاون العسكري–الفني بين روسيا وإمارة أفغانستان الإسلامية يُعد خطوة صحيحة في اتجاه تعزيز البنية التحتية العسكرية للدولة، فإنه ينبغي الاستعداد بصورة كافية لاحتمال ردود الفعل السلبية من جانب القوى الأخرى، ولا سيما الدول الغربية، مع اتخاذ التدابير الدفاعية المناسبة للتعامل مع أي تداعيات محتملة.
يمكن لإمارة أفغانستان الإسلامية توظيف الاتفاقية القائمة في سبيل توسيع نطاق التفاعل العسكري والأمني مع دول آسيا الوسطى بالتنسيق مع روسيا، والعمل على إبرام اتفاقيات ثنائية ومتعددة الأطراف في هذا المجال مع دول المنطقة، بما يسهم في تعزيز التعاون الأمني الإقليمي وترسيخ الاستقرار المشترك.
المصادر
[i]. تقرير: روسيا وطالبان توقعان اتفاقية للتعاون العسكري–الفني، دويتشه فيله، تاريخ النشر: 29 مايو/أيار 2026، متاح على:
[ii]. محمد يعقوب مجاهد: باكستان لن تجرؤ في المستقبل القريب على مهاجمة أفغانستان، بي بي سي فارسي، تاريخ النشر: 30 مايو/أيار 2026، متاح على:
[iii]. العلاقات بين روسيا وطالبان ومستقبل التنافس الأمريكي في أفغانستان، موقع دراسة تحولات أفغانستان، تاريخ النشر: 6 يونيو/حزيران 2026، متاح على:
