تحرير: مركز الدراسات الاستراتیجية والإقلیمیة
ملاحظة: انقر هنا للحصول على ملف PDF لهذا التحليل.
___________________________________________________________________
ستقرؤون في هذه النشرة:
- إعادة تعريف القوة العسكرية في عصر التقنيات الذكية منخفضة الكلفة
- التكنولوجيا وتغيّر طبيعة الحرب
- الأسلحة الذكية منخفضة الكلفة
- الأسلحة الذكية منخفضة الكلفة وتحول اقتصاد الحرب
- الشواهد الميدانية: حرب أوكرانيا وتطورات الشرق الأوسط
- الابتكار والتكيف: المكوّن الجديد للقوة العسكرية
- الدلالات الاستراتيجية لأفغانستان
- الخاتمة
- التوصيات
- المراجع
___________________________________________________________________
مقدمة
أعادت الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة أخرى، تسليط الضوء على الدور المتنامي للتقنيات الحديثة في الحروب المعاصرة، وجعلته مرة أخرى أحد الموضوعات الرئيسة في الدراسات الاستراتيجية. فعلى الرغم من أن القوى الكبرى ما تزال تتمتع بتفوّق واضح في مجالات مثل القوة الجوية، والاستخبارات، والأنظمة الفضائية، والأسلحة المتطورة، فإن الاستخدام المتزايد للطائرات المسيّرة، والصواريخ، وغيرها من الأنظمة الذكية منخفضة الكلفة من قبل فاعلين يمتلكون موارد محدودة، أثار تساؤلات جديدة حول مفهوم التفوق العسكري وطبيعة المنافسة العسكرية في العصر الحديث. [i]
وفي هذا السياق، يبرز تساؤل أساسي مفاده: إلى أي مدى استطاعت التقنيات الذكية منخفضة الكلفة أن تؤثر في منطق الحروب المعاصرة وحسابات القوة العسكرية؟ وما الآثار التي ترتبت على ذلك بالنسبة لتوازنات القوة واقتصاد الحرب؟
يسعى هذا المقال إلى تحليل هذه التحولات من خلال دراسة الدور الذي تؤديه التقنيات الذكية منخفضة الكلفة في الحروب المعاصرة، وبيان دلالاتها الاستراتيجية بالنسبة لأفغانستان.
التكنولوجيا وتغيّر طبيعة الحرب
منذ الثورة الصناعية، أصبحت التكنولوجيا أحد أهم العوامل المؤثرة في تطور طبيعة الحرب وفي تحديد نتائجها. وخلال القرنين الماضيين، استطاعت الدول التي نجحت في تطوير التقنيات العسكرية الحديثة وتوظيفها بصورة فعّالة ضمن بنية قواتها المسلحة أن تحقق، في الغالب، تفوقًا ملموسًا في ميادين القتال، بينما واجهت الدول التي تأخرت عن مواكبة هذا التطور درجات متفاوتة من الهشاشة والإخفاق العسكري.
وخلال القرن العشرين، لم تعد القوى الكبرى تقيس قوتها العسكرية بعدد الجنود أو حجم المعدات العسكرية فحسب، بل أصبح مستوى القدرة على إنتاج التقنيات العسكرية وتطويرها والابتكار فيها أحد المؤشرات الرئيسة للقوة العسكرية. وقد أدى ذلك إلى تصاعد المنافسة التكنولوجية بين القوى الكبرى بصورة غير مسبوقة. ومع ظهور الأسلحة النووية دخل سباق التسلح في حقبة الحرب الباردة مرحلة جديدة، حيث اعتمدت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي إلى حدٍّ كبير في بناء قوة الردع ومكانتهما الاستراتيجية على قدراتهما النووية وما تمتلكانه من ترسانات ذات قدرة تدميرية هائلة.[ii]
ومنذ سبعينيات القرن الماضي، أحدثت الولايات المتحدة تحولًا واسعًا في التخطيط العسكري وشبكات القيادة والسيطرة، وأنظمة الاتصالات، والتقنيات الفضائية، مستفيدة من الثورة في مجال تكنولوجيا المعلومات. وقد وفر لها هذا التحول تفوقًا ملحوظًا في مجالات متعددة، مثل الطائرات الشبح، والأسلحة الدقيقة الموجهة، ونظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، وشبكات المعلومات والاستخبارات العسكرية. وقد تجلت آثار هذا التفوق بوضوح في حرب الخليج عام 1991، ثم في غزو العراق عام 2003، حيث تمكنت القوات الأمريكية خلال فترة قصيرة من هزيمة الجيش العراقي والسيطرة على بغداد.
إلا أن التقنيات ذاتها التي مثلت، طوال عدة عقود، أهم عناصر التفوق الاستراتيجي للقوى الكبرى، بدأت تدريجيًا تهيئ البيئة لظهور تحديات جديدة. فقد أدى الانتشار الواسع للتكنولوجيا التجارية، وانخفاض تكاليف إنتاج الأنظمة الذكية، وسهولة الوصول إلى التقنيات المتقدمة، إلى انتقال كثير من الأدوات التي كانت حكرًا على الجيوش الكبرى إلى أيدي فاعلين أصغر حجمًا وإمكانات.
وقد كشفت المواجهة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة أخرى، بوضوح عن هذا التحول. فعلى الرغم من اعتماد الولايات المتحدة على أحدث الطائرات، والأنظمة الاستخباراتية، والصواريخ الدقيقة، وقدراتها الجوية المتقدمة، وتمكنها من إلحاق خسائر كبيرة ببعض القدرات الدفاعية الإيرانية، فإنها لم تستطع تحقيق نصر سريع وحاسم ومنخفض الكلفة، كما حدث في التجربة العراقية.
وفي المقابل، استطاعت إيران، من خلال توظيف الصواريخ والطائرات المسيّرة وغيرها من الأنظمة الذكية منخفضة الكلفة، أن ترفع تكلفة العمليات العسكرية بالنسبة للطرف المقابل، وأن تثبت أن التقنيات منخفضة الكلفة أصبحت اليوم، إلى جانب الأسلحة المتطورة، عاملًا مؤثرًا في مجريات الحرب وفي الحسابات العسكرية.
وبعبارة أخرى، فإن التحول الرئيس لا يكمن في تراجع أهمية التقنيات العسكرية المتقدمة، وإنما في اتساع نطاق الوصول إلى التقنيات الذكية منخفضة الكلفة. فالتقنيات التي كانت في الماضي أدوات احتكارية لتفوق القوى الكبرى، أصبحت اليوم أيضًا وسيلة لتقليص فجوة القوة وتعزيز قدرة الردع لدى الفاعلين الذين يمتلكون موارد محدودة.
الأسلحة الذكية منخفضة الكلفة
لا يوجد حتى الآن، في أدبيات الدراسات العسكرية، تعريف موحّد يحظى بإجماع الباحثين لمفهوم “الأسلحة منخفضة الكلفة”. ومع ذلك، يُطلق هذا المصطلح عمومًا على المنظومات والمعدات التي تعتمد على التقنيات التجارية، أو على أساليب إنتاج أكثر بساطة وأقل تكلفة، مع قدرتها في الوقت نفسه على إحداث آثار عملياتية أو استراتيجية ذات أهمية في ميدان القتال. ولا تكمن قيمة هذه الأسلحة في انخفاض تكلفتها فحسب، بل في قدرتها على الإنتاج الكمي، وسرعة تعويض ما يُستهلك منها، وسهولة تشغيلها، وإمكان إحداث خسائر تفوق بكثير تكلفة تصنيعها.
وقد طُوِّر جانب كبير من هذه المنظومات اعتمادًا على تقنيات صُمِّمت أصلًا للاستخدامات المدنية، مثل المستشعرات المتقدمة، والكاميرات الرقمية، وأنظمة تحديد المواقع، وشبكات الاتصالات، وتقنيات الروبوتات، وكذلك التطبيقات المتنوعة للذكاء الاصطناعي خلال السنوات الأخيرة. وقد أدى الانتشار الواسع لهذه التقنيات في الأسواق التجارية، وانخفاض تكلفة الحصول عليها، إلى تمكين الجهات التي تمتلك موارد محدودة من توظيفها في المجالات العسكرية بعد إجراء تعديلات تقنية محدودة نسبيًا عليها. وبذلك أصبحت كثير من القدرات التي كانت في السابق حكرًا على الجيوش المتقدمة متاحة اليوم لشريحة أوسع من الفاعلين وبتكلفة أقل بكثير .[iii]
وتتجلى الأهمية الاستراتيجية لهذا التحول في أنه وضع بعض الأسس التقليدية لقياس القوة العسكرية موضع مراجعة. ففي الماضي، كان التفوق العسكري يُقاس أساسًا بمؤشرات مثل حجم الإنفاق الدفاعي، وعدد المعدات الثقيلة، وأعداد الطائرات المتطورة، والقدرة الصناعية للدول. أما انتشار الأسلحة الذكية منخفضة الكلفة فقد أثبت أن الجهات ذات الموارد المحدودة تستطيع، من خلال استثمارات مدروسة في التقنيات الحديثة، أن تفرض تكاليف كبيرة على خصومها الأقوى، وأن تقلص جانبًا من فجوة القوة القائمة بينها وبينهم.
ومع ذلك، فإن هذا التحول لا يعني زوال المزايا التي تتمتع بها القوى الكبرى. فما تزال الدول المتقدمة تحتفظ بتفوق واضح في مجالات القوة الجوية، والأنظمة الفضائية، والاستخبارات الاستراتيجية، والصناعات الدفاعية المتقدمة، والتقنيات العسكرية المعقدة. غير أن تطورات السنوات الأخيرة تؤكد أن النجاح في الحروب المعاصرة لم يعد يعتمد فقط على امتلاك أكثر المعدات تطورًا، بل أصبح مرهونًا أيضًا بالقدرة على الابتكار، والإنتاج الكمي، والتكيف السريع مع التقنيات الناشئة، وحسن توظيفها في العمليات العسكرية. [iv]
وبعبارة أخرى، فإن الأسلحة منخفضة الكلفة لا تُعد بديلًا عن الأسلحة المتطورة، وإنما تمثل عنصرًا مكملًا لها. فالذي يشهد تغيرًا اليوم ليس طبيعة القوة العسكرية ذاتها، وإنما منطق استخدامها؛ إذ أصبحت الكفاءة، وسرعة الإنتاج، والمرونة، ونسبة الكلفة إلى الفاعلية، عوامل أكثر تأثيرًا في الحسابات الاستراتيجية للدول والقوات المسلحة مما كانت عليه في السابق.
الأسلحة الذكية منخفضة الكلفة وتحول اقتصاد الحرب
إن انتشار الأسلحة الذكية منخفضة الكلفة لا يقتصر على ظهور جيل جديد من المعدات العسكرية، بل يعكس تحولًا في المنطق الاقتصادي للحرب نفسها. وتنبع قيمتها الاستراتيجية، قبل كل شيء، من اجتماع ثلاث خصائص رئيسة فيها: انخفاض تكلفة الإنتاج، وإمكان تصنيعها بكميات كبيرة، وقدرتها على إحداث آثار عملياتية لا تتناسب مع كلفة تصنيعها. وقد دفعت هذه الخصائص إلى إعادة النظر في كثير من المسلّمات التقليدية المتعلقة بالعلاقة بين الإنفاق العسكري والقوة القتالية.
ففي النموذج الكلاسيكي للحرب، كان الحفاظ على التفوق العسكري يتطلب استثمارات ضخمة في تطوير التكنولوجيا، وإنتاج المعدات المعقدة، وإنشاء بنية صناعية واسعة. ولذلك كانت الدول التي تمتلك موارد مالية وصناعية أكبر تتمتع عادةً بقوة عسكرية أعلى. ورغم أن هذه القاعدة لا تزال صحيحة في كثير من المجالات العسكرية، فإن انتشار التقنيات الذكية منخفضة الكلفة أظهر أن التفوق التكنولوجي وحده لم يعد كافيًا لضمان التفوق الاقتصادي في الحرب.
ومن أبرز نتائج هذا التحول تغيّر العلاقة بين تكلفة الهجوم وتكلفة الدفاع. ففي الماضي، كان الطرف الذي يمتلك تجهيزات أكثر تطورًا قادرًا، في الغالب، على المحافظة على تفوقه بتكلفة متناسبة. أما اليوم، ففي كثير من النزاعات، تستطيع الجهات ذات الموارد المحدودة، من خلال استخدام أعداد كبيرة من المنظومات الذكية منخفضة الكلفة، أن تُجبر خصومها على استخدام منظومات دفاعية باهظة الثمن للتصدي لها. وفي مثل هذه الظروف، قد تصبح تكلفة الدفاع أعلى بكثير من تكلفة الهجوم، حتى وإن جرى اعتراض معظم تلك التهديدات وتدميرها.
ويُعدّ الصراع بين الطائرات المسيّرة الانتحارية وأنظمة الدفاع الجوي المتقدمة مثالًا واضحًا على ذلك. فعلى سبيل المثال، تُعد تكلفة إنتاج الطائرة المسيّرة الإيرانية “شاهد-136” ضئيلة للغاية إذا ما قورنت بتكلفة المقاتلة الشبح F-35 من الجيل الخامس،[v] أو حتى بثمن الصواريخ الاعتراضية المتطورة. ومن الواضح أن هذه الطائرة المسيّرة لا تضاهي المقاتلات الحديثة من حيث السرعة أو الدقة أو المدى العملياتي أو القدرة التدميرية، غير أن ميزتها الأساسية تكمن في مكان آخر، وهو قابليتها للإنتاج الكمي وقدرتها على فرض تكاليف مرتفعة على الخصم. فعندما تُطلق مئات الطائرات المسيّرة في وقت واحد، يجد الطرف المدافع نفسه مضطرًا إلى استخدام أنظمة اعتراض معقدة وصواريخ باهظة الثمن لمواجهة كل واحدة منها. ونتيجة لذلك، حتى لو جرى إسقاط جميع تلك الطائرات، فقد يكون المهاجم قد حقق أحد أهدافه الأساسية، وهو زيادة الأعباء الاقتصادية والعملياتية على خصمه. ومن هذا المنطلق، لا ينبغي قياس فاعلية هذه الأسلحة بحجم الدمار الذي تُحدثه فحسب، بل يجب تقييمها أيضًا في ضوء تأثيرها في الحسابات الاقتصادية والاستراتيجية للحرب.
ومن ثم، فإن التحول الراهن لا يتمثل في استبدال نوع من الأسلحة بنوع آخر، وإنما في إعادة تشكيل اقتصاد الحرب. ففي البيئة الأمنية الجديدة، أصبح النجاح العسكري يعتمد، أكثر من أي وقت مضى، على القدرة على إدارة الموارد، وتسريع وتيرة الإنتاج، والحفاظ على استدامة سلاسل الإمداد، وتحقيق أفضل توازن ممكن بين الكلفة والفاعلية. ولذلك، أصبحت الكفاءة الاقتصادية للقوة العسكرية، إلى جانب جودة المعدات، أحد المعايير الرئيسة في تقييم القدرة القتالية للدول.
الشواهد الميدانية: حرب أوكرانيا وتطورات الشرق الأوسط
تشير التطورات التي شهدتها السنوات الأخيرة إلى أن الدور الذي تؤديه الأسلحة الذكية منخفضة الكلفة لم يعد مجرد فرضية نظرية، بل أصبح حقيقة ميدانية لا يمكن إنكارها. وتمثل حرب أوكرانيا والصراعات الدائرة في الشرق الأوسط نموذجين بارزين يبرزان كيف أسهم انتشار هذه التقنيات في إعادة تشكيل الحسابات العسكرية، ورفع تكاليف الحرب، والتأثير في موازين القوى.
حرب أوكرانيا: تغيير ميزان القوى عبر الابتكار: تُعد حرب أوكرانيا من أوضح الأمثلة على التحول الذي طرأ على أساليب القتال في القرن الحادي والعشرين. فعند اندلاع الحرب، كانت أوكرانيا أقل من روسيا بكثير من حيث حجم الإنفاق الدفاعي، والقدرة الصناعية، وعدد القوات، والمعدات العسكرية الثقيلة. ومع ذلك، استطاعت أن تعوض جانبًا من هذا التفاوت من خلال الاعتماد على الابتكار، والاستخدام المكثف للطائرات المسيّرة، والمنظومات غير المأهولة، والتقنيات التجارية، وشبكات المعلومات، والاستخبارات.
ولم يقتصر توظيف الطائرات المسيّرة في هذه الحرب على مهام الاستطلاع، بل امتد ليشمل كشف الأهداف، وتوجيه النيران، وتنفيذ الضربات الدقيقة، وإرباك خطوط الإمداد، بل وحتى استهداف مواقع داخل العمق الروسي. وقد أثبتت هذه التجربة أن الفاعلية العسكرية أصبحت تعتمد، أكثر من أي وقت مضى، على القدرة على دمج التكنولوجيا بالمعلومات والابتكار، لا على الاعتماد الحصري على المعدات التقليدية والثقيلة.
وفي المقابل، سارعت روسيا أيضًا إلى التكيف مع الواقع الجديد؛ فإلى جانب توسيع إنتاجها المحلي، اعتمدت بصورة واسعة على الطائرات المسيّرة منخفضة الكلفة. ويؤكد هذا المسار أن حتى القوى العسكرية الكبرى أصبحت مضطرة إلى إعادة هيكلة قواتها وأنماط تسليحها بما ينسجم مع متطلبات الحروب الحديثة. ومن ثم، يمكن اعتبار حرب أوكرانيا ميدانًا لاختبار جيل جديد من التقنيات العسكرية، أصبحت فيه سرعة الابتكار والقدرة على الإنتاج لا تقل أهمية عن القوة النارية نفسها.
الشرق الأوسط: زيادة كلفة التفوق العسكري للقوى الكبرى: وتؤكد تطورات الشرق الأوسط الاتجاه نفسه. فقد لجأت خلال السنوات الأخيرة أطراف حكومية وغير حكومية بصورة متزايدة إلى استخدام الطائرات المسيّرة، والصواريخ منخفضة الكلفة، وغيرها من المنظومات الذكية، بهدف زيادة الضغوط على القوى العسكرية المتفوقة. وفي كثير من الحالات، لم يكن الهدف الرئيس من هذه الهجمات تحقيق تفوق عسكري مباشر، وإنما فرض أعباء اقتصادية وعملياتية وسياسية على الخصم.
وتُعد هجمات جماعة الحوثيين على خطوط الملاحة في البحر الأحمر، وعلى أهداف مختلفة في المنطقة، مثالًا واضحًا على هذا النهج. فعلى الرغم من أن هذه الجماعة لا تُقارن بالقوى الكبرى من حيث الإمكانات العسكرية، فإن استخدامها للأسلحة الذكية منخفضة الكلفة أدى إلى زيادة ملموسة في تكلفة حماية طرق الملاحة البحرية وضمان الأمن الإقليمي بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها. وتبين هذه التجربة أن النجاح الاستراتيجي لا يُقاس دائمًا بحجم الخسائر التي تُلحق بالعدو، بل قد يتحقق أيضًا من خلال تغيير حساباته الاستراتيجية وفرض تكاليف إضافية عليه.
ويمكن تحليل المواجهة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل والجمهورية الإسلامية الإيرانية في الإطار ذاته. فقد أظهرت هذه المواجهة أنه على الرغم من استمرار التفوق الواضح للقوى الكبرى في مجالات القوة الجوية، والاستخبارات، والحرب الإلكترونية، والأسلحة الدقيقة، فإن الأطراف الأخرى باتت قادرة، عبر توظيف المنظومات الذكية منخفضة الكلفة، على رفع كلفة هذا التفوق، ومنع الإنجازات التكتيكية من التحول بسهولة إلى مكاسب سياسية أو استراتيجية حاسمة.
غير أن هذه الحقيقة لا تعني زوال التفوق العسكري للقوى الكبرى، وإنما تشير إلى تغير طبيعة المنافسة العسكرية. فالحروب المعاصرة أصبحت تعتمد أكثر من أي وقت مضى على القدرة على التكيف، والابتكار، واستمرار الإنتاج، وحسن إدارة الموارد .[vi]
الابتكار والتكيف: المكوّن الجديد للقوة العسكرية
إن انتشار الأسلحة الذكية منخفضة الكلفة لا يعني نهاية دور الأسلحة المتطورة، فما تزال القوة العسكرية ترتكز على عناصر أساسية مثل القوة الجوية، والقدرات البحرية، والأنظمة الفضائية، ومنظومات الاستخبارات. غير أن ما تغير هو الكيفية التي تتفاعل بها هذه العناصر مع التقنيات الناشئة.
وعليه، فإن امتلاك الأسلحة الذكية منخفضة الكلفة، في حد ذاته، لا يضمن تحقيق ميزة استراتيجية. وإنما العامل الحاسم هو القدرة على دمج هذه التقنيات في بنية القوات المسلحة، ومواءمة العقائد العسكرية مع الإمكانات الجديدة، وتحقيق التكامل بين التكنولوجيا، والتنظيم، والعنصر البشري. فالدولة التي تكتفي بشراء المعدات الحديثة، دون أن تنجح في إدماجها ضمن منظومة القيادة والسيطرة، وبرامج التدريب، والتخطيط العملياتي، والبنية الدفاعية، لن تتمكن من الاستفادة الحقيقية من هذا التحول.
ولهذا السبب، اكتسب مفهوم “الابتكار العسكري” مكانة متقدمة في أدبيات الدراسات الاستراتيجية خلال السنوات الأخيرة. فالابتكار العسكري لا يقتصر على إنتاج تكنولوجيا جديدة، بل يشمل كذلك القدرة على تحويل هذه التكنولوجيا إلى قدرة عملياتية فعالة. ويتطلب ذلك إصلاح الهياكل التنظيمية، وإعادة النظر في أساليب إعداد القوات، وتطوير العقائد العسكرية، وإيجاد مؤسسات أكثر مرونة وقابلية لاستيعاب التغيرات المستمرة.
وتجسد تجربة الحرب في أوكرانيا هذه الحقيقة بوضوح؛ إذ عمد طرفا النزاع، خلال فترة زمنية قصيرة، إلى تعديل أساليب استخدام الطائرات المسيّرة، والمنظومات غير المأهولة، وأدوات الحرب الإلكترونية مرات عديدة. وفي كثير من الأحيان، لم تكن المدة الفاصلة بين ظهور تقنية جديدة وتطوير وسائل فعالة لمواجهتها تتجاوز بضعة أسابيع أو أشهر. ويؤكد ذلك أن سرعة التعلم والتكيف في حروب المستقبل قد تصبح ذات أهمية لا تقل عن أهمية امتلاك المعدات العسكرية الأكثر تطورًا.
ويظهر مثال آخر لهذا التحول في مراجعة السياسات الدفاعية لدى بعض القوى الكبرى. فالولايات المتحدة، رغم امتلاكها أكثر الصناعات الدفاعية تقدمًا في العالم، استثمرت خلال السنوات الأخيرة بصورة واسعة في تطوير المنظومات غير المأهولة، والذكاء الاصطناعي، والإنتاج الكمي للذخائر الذكية، وتعزيز سلاسل الإمداد الدفاعية. ويعكس هذا التوجه إدراك القوى العسكرية الكبرى أن الحفاظ على التفوق لم يعد ممكنًا بالاعتماد على الأسلحة مرتفعة الكلفة وحدها، بل أصبح يتطلب الابتكار المستمر، والتكيف المؤسسي، وتعزيز المرونة الاستراتيجية.[vii]
وعليه، يمكن القول إن المنافسة العسكرية في القرن الحادي والعشرين لم تعد تدور أساسًا حول امتلاك أكثر المعدات تطورًا، وإنما أصبحت منافسة حول القدرة على التعلم، والابتكار، والتكيف مع البيئة الأمنية المتغيرة. وكلما ترسخت هذه القدرات داخل المنظومة الدفاعية للدولة، ازدادت قدرتها على الحفاظ على تفوقها وتعزيز قدرتها على الصمود في مواجهة التهديدات الناشئة.
الدلالات الاستراتيجية لأفغانستان
إن التحولات التي تشهدها الحروب المعاصرة لا تمثل بالنسبة لأفغانستان مجرد خبرات عسكرية مستمدة من تجارب دول أخرى، بل تعكس تغيرًا في البيئة الأمنية الإقليمية والدولية، وهو تغير قد يؤثر خلال السنوات المقبلة في طبيعة التهديدات، وأساليب الردع، ومتطلبات تطوير القدرات الدفاعية للدولة. ومن ثم، فإن أهم ما يمكن استخلاصه من هذه التحولات لا يتمثل في محاكاة النماذج التسليحية للدول الأخرى، وإنما في إعادة النظر في مفهوم القوة الدفاعية والاستعداد الأمني.
وتواجه أفغانستان تحديات معروفة تتعلق بمحدودية الموارد المالية، وضعف القاعدة الصناعية، ومحدودية البنية التحتية الدفاعية. وفي ظل هذه الظروف، فإن الاعتماد الحصري على النماذج التقليدية لبناء القوة العسكرية لا يُعد خيارًا مستدامًا من الناحية الاقتصادية، كما أنه لا ينسجم بصورة كاملة مع الاتجاهات الجديدة للحروب المعاصرة. وقد أثبتت تجارب السنوات الأخيرة أن الاستثمار الهادف في التقنيات الناشئة، وتنمية القدرات الوطنية، وإعداد الكوادر البشرية المتخصصة، يمكن أن يشكل، إلى جانب القدرات الدفاعية التقليدية، ركيزة مهمة لتعزيز الصمود الأمني للدولة.
وانطلاقًا من ذلك، ينبغي أن يرتكز تطوير القدرات الدفاعية في أفغانستان، أكثر من أي وقت مضى، على تنمية رأس المال البشري، وتعزيز المعرفة التقنية، وترسيخ القدرة على الابتكار. فالتقنيات الحديثة، مثل المنظومات غير المأهولة، والذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني، وأنظمة الاستطلاع، والاتصالات الذكية، ليست مجرد أدوات عسكرية، بل أصبحت جزءًا من البنية الأساسية للقوة الوطنية في العصر الحديث. والدولة التي تعجز عن استيعاب هذه التقنيات، وتوطينها، وتوظيفها بكفاءة، قد تظل عرضة للتهديدات المستجدة، حتى وإن امتلكت تجهيزات عسكرية تقليدية.
ومع ذلك، فإن التحول الأهم المطلوب يتمثل في إعادة صياغة رؤية صانعي السياسات لمفهوم القوة الدفاعية. ففي البيئة الأمنية الجديدة، لم يعد قياس القوة العسكرية يعتمد فقط على عدد القوات، أو حجم المعدات، أو قيمة الإنفاق الدفاعي، وإنما أصبح مرتبطًا بالقدر نفسه بقدرة الدولة على التعلم، والابتكار، والتكيف مع التطورات التكنولوجية، والإدارة الكفؤة للموارد. ولذلك، فإن بناء شراكة مؤسسية بين الجامعات، ومراكز البحوث، والصناعات التكنولوجية، والمؤسسات الدفاعية، ينبغي أن يُعد أحد المرتكزات الأساسية لتنمية القدرة الاستراتيجية للدولة.
كما تؤكد تجارب الحروب الحديثة أن الاعتماد الكامل على التقنيات أو المعدات المستوردة قد يخلق، على المدى البعيد، أشكالًا جديدة من الهشاشة الاستراتيجية. ولذلك، ورغم أن تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل في الصناعات الدفاعية ليس هدفًا واقعيًا بالنسبة لكثير من الدول، فإن تنمية القدرات الوطنية في مجالات التصميم، والصيانة، والتحديث، وإنتاج بعض التقنيات الأساسية، من شأنها أن تعزز استقلالية القرار، وترفع مستوى المرونة الدفاعية للدولة.
وعلیه، فإن أهم درس استراتيجي يمكن أن تستخلصه أفغانستان هو أن مستقبل المنافسة الأمنية سيقوم، أكثر من أي وقت مضى، على المعرفة، والابتكار، والمرونة، وسرعة التكيف. ومن ثم، فإن أي سياسة دفاعية لا تستوعب هذه العناصر ضمن رؤيتها بعيدة المدى ستواجه تحديات متزايدة في مواكبة التحولات المتسارعة التي تشهدها البيئة الأمنية.
الخاتمة
تكشف التطورات الأخيرة أن الحروب المعاصرة دخلت مرحلة جديدة، أصبحت فيها التقنيات الذكية منخفضة الكلفة، كالطائرات المسيّرة، والذكاء الاصطناعي، والتقنيات ذات الاستخدام المزدوج، لا تقدم أدوات جديدة إلى ميدان القتال فحسب، بل تعيد أيضًا تشكيل آليات إنتاج القوة العسكرية وتوظيفها. وقد أتاح هذا التحول وصول قدرات كانت حكرًا على القوى الكبرى إلى عدد أكبر من الفاعلين، وإن ظل تفوق تلك القوى قائمًا. وأصبح النجاح العسكري اليوم يعتمد على الابتكار، والتنظيم، والإدارة الكفؤة للموارد، بقدر اعتماده على امتلاك المعدات العسكرية.
كما أعاد هذا التحول تعريف اقتصاد الحرب، وأصبحت مؤشرات مثل نسبة الكلفة إلى الفاعلية، وسرعة التعويض والإنتاج، والمرونة العملياتية، من المعايير الأساسية في تقييم القوة العسكرية. فالتقنيات الذكية لا تحل محل الأسلحة المتطورة، وإنما تكملها، مع إحداث تغيير جوهري في حسابات الحروب المستقبلية. ومن ثم، فإن المنافسة العسكرية في المستقبل ستكون، بدرجة كبيرة، منافسة بين منظومات الابتكار الدفاعي؛ وستكون الدول القادرة على إقامة تكامل مؤسسي بين البحث العلمي، والتكنولوجيا، والصناعة، والسياسات الدفاعية، أكثر قدرة على التكيف مع التهديدات الناشئة.
وبناءً على ذلك، تتمثل أهم نتائج هذه الدراسة في أن التحول الجوهري في الحروب المعاصرة لا يكمن في انتهاء التفوق العسكري للقوى الكبرى، وإنما في إعادة تعريف مصادر القوة العسكرية وآليات إنتاجها. وفي هذا السياق، أصبحت الموارد البشرية، والقدرة على الابتكار، والبنية التحتية التكنولوجية، والمرونة المؤسسية، وحسن توظيف التقنيات الذكية، إلى جانب القدرات العسكرية التقليدية، تشكل الركائز الأساسية للقوة الدفاعية في القرن الحادي والعشرين.
وعليه، فإن مستقبل الأمن الوطني للدول سيعتمد، أكثر من أي وقت مضى، على قدرتها على تحويل المعرفة إلى تكنولوجيا، والتكنولوجيا إلى قدرة دفاعية، والقدرة الدفاعية إلى ميزة استراتيجية. وكلما كانت هذه الحلقة أكثر كفاءة، ازدادت قدرة الدولة على الحفاظ على الردع، وتعزيز صمودها، وصيانة مصالحها الوطنية.
التوصيات
- لقد غيّرت الأسلحة الذكية منخفضة الكلفة مفهوم القوة والأمن، ومن ثم فإن من الضروري إعادة صياغة السياسات الأمنية بما ينسجم مع هذه التحولات، مع التركيز على التقنيات الحديثة، مثل الطائرات المسيّرة، ومنظومات المعلومات والاستخبارات، والذكاء الاصطناعي.
- ينبغي لأفغانستان، إلى جانب معالجة التحديات الأمنية، أن توسّع استثماراتها في التعليم التقني، والعلوم الهندسية، وتطوير التكنولوجيا؛ لأن مستقبل الدولة سيصبح أكثر ارتباطًا بالمعرفة والابتكار.
المراجع
[i] Paul, Scharre “ Losing the War of the Future: New Military technology Threaten America’s Military Advantage,” FOREIGN AFFAIRS, June 23, 2026, Link
[ii] Steven E. Miller, “Technology and war,” December 1985. Pp 46-50
[iii] T.x Hammer, “Technologies Converge and Power Diffuses: The Evolution of Small, Smart and Cheap Weapons,” CATO INSTITUTE, January 16, 2026, Link
[iv] Robert James, “ Low-Cost Warfare: The Technology Gap is Now Transforming Modern Warfare,” Medium, mar 19, 2026, link
[v] Malcom, Kyeyune, “Cheap Weapon, new wars,” THE NEW STATESMAN, 27 November 2023, Link
[vi] Michael C Horowitz & Lauren A.Kahn, “Iran’s Drone Advantage,” Foreign Affairs, March 11, 2026, Link
[vii] Andriy Zagorodnyouk, “The New Revolution in Military Affairs,” Andriy Zagorodnyk, carneigeendowment, apr 20, 2026, Link
